تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٨٧
وقوعه. و المعني و لما يجاهدوا و يمتنعوا ان يتخذوا وليجة و يعلم اللّه ذلک منكم فجاء مجيء نفي العلم لنفي المعلوم، لأنه متي کان علم اللّه انه كائن. و کان ابلغ و أوجز، لأنه اتي علي طريقة نفي صفات اللّه تعالي.
و قوله «وَ لَم يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا المُؤمِنِينَ وَلِيجَةً» تقديره و لما يعلم اللّه الّذين آمنوا لم يتخذوا من دون اللّه و لا رسوله وليجة، فالوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم تقول: ولج يلج ولوجاً و أولج إيلاجاً و تولج تولجاً بمعني الدخول.
و الوليجة و الدخيلة و البطانة نظائر. و کل شيء دخل في شيء و ليس منه فهو وليجة، قال طرفة:
فان القوافي يتلجن موالجاً تضايق عنها ان تولجها الابر[١]
و قال آخر:
متخذاً من ضعوات تولجا متخذاً فيها اياداً دولجا[٢]
يعني الكأس. و قال الفراء: نهوا ان يتخذوا بطانة يفشون اليهم أسرارهم.
و قال الجبائي: اتخاذ الوليجة من دون اللّه و دون رسوله هو النفاق. نهوا أن يكونوا منافقين، و هو قول الحسن، فانه قال: الوليجة هي الكفر و النفاق. و في الآية دلالة علي انه لا يجوز ان يتخذ من الفساق وليجة، لان في ذلک تأليفاً بالفسق يجري مجري الدعاء اليه مع ان الواجب معاداة الفساق و البراءة منهم، و مع ذلک فهو غير مأمون علي الأسرار و الاطلاع عليها. قال الزجاج: كانت براءة تسمي الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، لأنه لما فرض القتال تميز المؤمنون من المنافقين و من يوالي المؤمنين ممن يوالي أعداءهم.
قوله تعالي: [سورة التوبة (٩): آية ١٧]
ما كانَ لِلمُشرِكِينَ أَن يَعمُرُوا مَساجِدَ اللّهِ شاهِدِينَ عَلي أَنفُسِهِم بِالكُفرِ أُولئِكَ حَبِطَت أَعمالُهُم وَ فِي النّارِ هُم خالِدُونَ (١٧)
(١، ٢) مجاز القرآن ١/ ٢٥٤ و اللسان (ولج)