تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٦٤
اخبر اللّه تعالي في هذه الآية ان الّذين آمنوا باللّه و صدقوا رسوله و هاجروا من ديارهم و أوطانهم، يعني من مكة الي المدينة، و جاهدوا مع ذلک في سبيل اللّه و قتال أعدائه. و الّذين آووا من الأنصار و معناه ضموهم اليهم و نصروا النبي صلي الله عليه و آله بأنهم المؤمنون حقاً، و قيل في معناه قولان: أحدهما انهم المؤمنون الّذين حققوا ايمانهم لما يقتضيه من الهجرة و النصرة بخلاف من اقام بدار الشرك. الثاني- قال ابو علي الجبائي: معناه انهم المؤمنون حقاً، لان اللّه حقق ايمانهم بالبشارة الّتي بشرهم بها، و لو لم يهاجروا و لم ينصروا لم يكن مثل هذا.
و اختلفوا في هل تصح الهجرة في هذا الزمان أو لا!
فقال قوم: لا تصح لان
النبي صلي الله عليه و آله قال: لا هجرة بعد الفتح
و لأن الهجرة انتقال من دار الكفر الي دار الإسلام علي هجر الأوطان، و ليس يقع مثل هذا في هذا الزمان لاتساع بلاد الإسلام إلا أن يکون نادراً لا يعتد به.
و قال الحسن: بقيت هجرة الاعراب الي الأمصار الي يوم القيامة.
و الأقوي أن يکون حكم الهجرة باقياً، لأن من أسلم في دار الحرب ثم هاجر الي دار الإسلام کان مهاجراً، و سمي الجهاد في سبيل اللّه لأنه طريق الي ثواب اللّه في دار كرامته.
و قوله «لَهُم مَغفِرَةٌ وَ رِزقٌ كَرِيمٌ» اخبار منه تعالي أن لهؤلاء المغفرة لذنوبهم و الرزق الكريم يعني العظيم الواسع و الكريم ألذي يصح منه الكرم من غير مانع.
و الكرم الجود العظيم و الشرف قال الشاعر:
تلك المكارم لأقعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
و قيل: الرزق الكريم هنا طعام الجنة لأنه لا يستحيل الي أجوافهم نجواً بل يصير كالمسك ريحاً.