تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣٨
و قوله: «وَ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ» تقديره، و يقولون يعني الملائكة للكفار يقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق يوم القيامة و حذف لدلالة الكلام عليه. و مثله قوله «وَ لَو تَري إِذِ المُجرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِم عِندَ رَبِّهِم رَبَّنا أَبصَرنا وَ سَمِعنا»[١] أي يقولون ربنا أبصرنا، و دل الكلام عليه. و الحريق تفريق الأجسام الكبيرة العظيمة بالنار العظيمة يقال: احترق احتراقاً و احرق إحراقاً و تحرق تحرقاً و حرقه تحريقاً، و جواب «لو» محذوف، و تقديره لرأيت منظراً هائلا و إنما حذف جواب «لو» لأن ذكره يخص وجهاً و مع الحذف يظن وجوه كثيرة فهو أبلغ.
قوله تعالي: [سورة الأنفال (٨): آية ٥١]
ذلِكَ بِما قَدَّمَت أَيدِيكُم وَ أَنَّ اللّهَ لَيسَ بِظَلاّمٍ لِلعَبِيدِ (٥١)
قوله «ذلک» إشارة من الملائكة للكفار الي ما تقدم ذكره من قولهم «ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ» قالوا ذلک العذاب «بِما قَدَّمَت أَيدِيكُم» و موضع «بِما قَدَّمَت أَيدِيكُم» يحتمل وجهين من الاعراب: أحدهما- الرفع بأنه خبر ذلک. و الثاني- النصب بأنه متصل بمحذوف، و تقديره ذلک جزاؤكم «بِما قَدَّمَت أَيدِيكُم» و إنما قيل بما قدمت أيديكم مع أن اليد لا تعمل شيئاً لتبين أنه بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، و لذلك لم يذكر القلوب، و إن کان بها معتمد العصيان، لأنه قصد إظهار ما يقع به الجنايات في غالب الأمر و تعارف النّاس. و التقديم ترتيب الشيء أولا قبل غيره:
قدمه تقديماً و تقدم تقدما و استقدم استقداماً و تقادم عهده تقادماً و اقدم علي الأمر إقداما.
و قوله: «أَنَّ اللّهَ لَيسَ بِظَلّامٍ لِلعَبِيدِ» العامل في «ان» يحتمل شيئين:
أحدهما- أن يکون موضعه نصباً بتقدير و بأن اللّه او خفضاً علي الخلاف فيه.
و الثاني- ان يکون رفعاً بمعني و ذلک ان اللّه کما تقول ذلک هذا.
[١] سورة ٣٢ الم السجدة آية ١٢