كنز الدعاء - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٤٢ - ج - المناجاة المأثورة عن الإمام زين العابدين عليه السلام
لَم يَجعَل في أحَدٍ مِن مَعرِفَةِ إدراكِهِ أكثَرَ مِنَ العِلمِ بِأَ نَّهُ لا يُدرِكُهُ، فَشَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مَعرِفَةَ العارِفينَ بِالتَّقصيرِ عَن مَعرِفَتِهِ، وجَعَلَ مَعرِفَتَهُم بِالتَّقصيرِ شُكراً، كَما جَعَلَ عِلمَ العالِمينَ أنَّهُم لا يُدرِكونَهُ إيماناً، عِلماً مِنهُ أنَّهُ قَدرُ وُسعِ العِبادِ، فَلا يُجاوِزونَ ذلِكَ.
وقالَ عليه السلام:
سُبحانَ مَن جَعَلَ الاعتِرافَ بِالنِّعمَةِ لَهُ حَمداً، سُبحانَ مَن جَعَلَ الاعتِرافَ بِالعَجزِ عَنِ الشُّكرِ شُكراً.[١]
٣٠٠. الإمام زين العابدين عليه السلام- مِن دُعائِهِ إذَا اعتَرَفَ بِالتَّقصيرِ عَن تَأدِيَةِ الشُّكرِ-:
اللَّهُمَّ إنَّ أحَداً لا يَبلُغُ مِن شُكرِكَ غايَةً إلّاحَصَلَ عَلَيهِ مِن إحسانِكَ ما يُلزِمُهُ شُكراً، ولا يَبلُغُ مَبلَغاً مِن طاعَتِكَ وإنِ اجتَهَدَ إلّاكانَ مُقَصِّراً دونَ استِحقاقِكَ بِفَضلِكَ، فَأَشكَرُ عِبادِكَ عاجِزٌ عَن شُكرِكَ، وأَعبَدُهُم مُقَصِّرٌ عَن طاعَتِكَ.
لا يَجِبُ لِأَحَدٍ أن تَغفِرَ لَهُ بِاستِحقاقِهِ، ولا أن تَرضى عَنهُ بِاستيجابِهِ، فَمَن غَفَرتَ لَهُ فَبِطَولِكَ، ومَن رَضيتَ عَنهُ فَبِفَضلِكَ، تَشكُرُ يَسيرَ ما شَكَرتَهُ[٢]، وتُثيبُ عَلى قَليلِ ما تُطاعُ فيهِ، حَتّى كَأَنَّ شُكرَ عِبادِكَ الَّذي أوجَبتَ عَلَيهِ ثَوابَهُم، وأَعظَمتَ عَنهُ جَزاءَهُم، أمرٌ مَلَكُوا استِطاعَةَ الامتِناعِ مِنهُ دونَكَ فَكافَيتَهُم، أو لَم يَكُن سَبَبُهُ بِيَدِكَ فَجازَيتَهُم؟! بَل مَلَكتَ يا إلهي أمرَهُم قَبلَ أن يَملِكوا عِبادَتَكَ، وأَعدَدتَ ثَوابَهُم قَبلَ أن يُفيضوا في طاعَتِكَ؛ وذلِكَ أنَّ سُنَّتَكَ الإِفضالُ، وعادَتَكَ الإِحسانُ، وسَبيلَكَ العَفوُ.
فَكُلُّ البَرِيَّةِ مُعتَرِفَةٌ بِأَنَّكَ غَيرُ ظالِمٍ لِمَن عاقَبتَ، وشاهِدَةٌ بِأَ نَّكَ مُتَفَضِّلٌ عَلى مَن عافَيتَ، وكُلٌّ مُقِرٌّ عَلى نَفسِهِ بِالتَّقصيرِ عَمَّا استَوجَبتَ؛ فَلَولا أنَّ الشَّيطانَ يَختَدِعُهُم عَن
[١]. تحف العقول: ص ٢٨٣، الكافي: ج ٨ ص ٣٩٤ ح ٥٩٢ نحوه وليس فيه ذيله، بحار الأنوار: ج ٧٨ ص ١٤١ ح ٣٦ و ٣٧.
[٢]. قد تواترت النسخ المشهورة من الصحيفة بضبط« شَكَرتَهُ» ... فالمعنى: تشكر يسير ما قبلته من العمل، وأثنيتعليه، أي تجازي بالكثير عليه( رياض السالكين: ج ٥ ص ٢٣٨).