ائمتنا عليهم السلام عباد الرحمن - أبو معاش، سعيد - الصفحة ٣٤٠ - سبق علي عليه السلام بالهجرة على سائر الصحابة
ثم بالجهاد، ثم سبقهم بعد هذه الثلاثة الرتب بكونه من ذوي الارحام.
فأما أبوبكر فقد هاجر الى المدينة إلّا أنّ لعلي مزايا فيها عليه، وذلك أن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أخرجه مع نفسه أوخرج هو لعلّةٍ وترك عليّاً للمبيت باذلًا مهجته، فبذل النفس أعظم من الإتّقاء على النفس في الهرب الى الغار.
وقد روى أبو المفضّل الشيباني باسناده عن مجاهد قال:
فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول اللَّه في الغار، فقال عبد اللَّه بن شدّاد بن الهاد:
فأين أنت من عليّ بن أبي طالب حيث نام في مكانه وهو يرى أنه يُقتل؟
فسكتت ولم تحر جواباً، وشتّان بين قوله: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللَّه»[٧٨٠] وبين قوله: «لا تحزن إنّ اللَّه معنا»[٧٨١]، وكان النبي صلى الله عليه و آله و سلم معه يُقوّي قلبه ولم يكن مع عليّ، وهو لم يُصبه وجعٌ وعليّ يُرمى بالحجارة، وهو مختفٍ في الغار وعليٌّ ظاهرٌ للكفار، واستخلفه الرسول لردّ الودائع لأنّه كان أميناً، فلما أدّاها قام على الكعبة فنادى بصوتٍ رفيع: يا أيها الناس هل من صاحب أمانة؟ هل من صاحب وصيّة؟ هل من صاحب عِدة له قِبَلَ رسول اللَّه؟ فلمّا لم يأت أحد لحق بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم وكان في ذلك دلالة على خلافته وأمانته وشجاعته.
وحمل نساء الرسول خلفه بعد ثلاثة أيّام، وفيهنّ عائشة، فله المنّة على أبي بكر بحفظ ولده، ولعلي عليه السلام المنّة عليه في هجرته، وعليّ ذوالهجرتين والشجاع البائت بين أربع مائة سيفٍ، وانّما أباته على فراشه ثقةً بنجدته، فكانوا محدقين به الى طلوع الفجر ليقتلوه ظاهراً، فيذهب دمه بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل.
[٧٨٠] ( ١) البقرة ٢٠٧.
[٧٨١] ( ٢) التوبة ٤٠.