ائمتنا عليهم السلام عباد الرحمن - أبو معاش، سعيد - الصفحة ٥٣٦ - علي عليه السلام يصف شيعته
مأكولهم القوت، وملبوسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، نجعوا للَّهبطاعته، وخضعوا اليه بعبادته، مضوا غاضّين أبصارهم عمّا حرّم اللَّه عليهم، رامقين أسماعهم على العلم بربّهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت منهم في الرخاء، رضوا عن اللَّه تعالى بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب اللَّه تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً الى لقاء اللَّه والثواب وخوفاً من أليم العقاب.
عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنّة كمن رآها، فهم على أرائكها متّكئون، وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذّبون، صبروا أيّاماً قليلة فأعقبهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها.
أمّا الليل فصافّون أقدامهم تالون لاجزاء القرآن ترتيلًا، يعظون أنفسهم بأمثاله، يستشعرون لدائهم بدائه تارةً، وتارةً يفترشون جباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يمجّدون جبّاراً عظيماً، ويجأرون اليه في فكاك رقابهم، هذا ليلهم.
فأمّا نهارهم فحكماء بررة علماء أتقياء براهم خوف باريهم، فهم كالقداح، تحسبهم مرضى أوقد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربّهم وشدّة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فاذا شفقوا من ذلك بادروا الى اللَّه تعالى بالاعمال الزاكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجليل، فهم لانفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون.
ترى لاحدهم قوّة في دين، وحزماً في لين، وايماناً في يقين، وحرصاً على علم، وفهماً في فقه، وعلماً في حلم، وكيساً في قصد، وقصداً في غنى، وتجمّلًا في فاقة، وصبراً في شفقة، وخشوعاً في عبادة، ورحمةً لمجهود، واعطاءً في حق، ورفقاً في كسب، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدىً، واعتصاماً في