شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ناظر الجيش - الصفحة ٤١٦ - مذ ، منذ ، رب لغاتها ، ومعانيها ، وأحكامها
.................................................................................................
______________________________________________________
كانُوا مُسْلِمِينَ)[١] : فإن قلت : ما معنى التقليل هاهنا؟ قلت : هو وارد على مذهب العرب في قولهم : لعلك ستندم على فعلك ، وربما يندم الإنسان على ما فعل ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله ، ولكنهم أرادوا لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل ؛ لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المظنون كما يتحرزون من الغم المتيقن ، ومن القليل منه كما يتحرزون من الكثير وكذلك المعنى في الآية الشريفة : لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لكانوا حقيقين بالمسارعة إليه فكيف وهم يودونه في كل ساعة [٢]. قلت : في هذا الكلام ما يناقض كلامه في (قَدْ نَرى)[٣] و (قَدْ نَعْلَمُ)[٤] و (قَدْ يَعْلَمُ)[٥] من دلالة «ربما» على التكثير ؛ لأنه نسب إليها هنا التقليل ، وتكلف في تخريجه ما لا حاجة إليه ، ولا دلالة عليه ، ثم اعترف بقول العرب : ربما يندم الإنسان على ما فعل ، وبأنهم لا يقصدون تقليله فهو حجه عليه ، وعلى من وافقه.
وأظنه في هذا التأويل قلّد ابن السراج فإنه قال : قالوا في قوله تعالى : (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) بأنه لصدق الوعدة كأنه قد كان [٦] كما قال تعالى : (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ)[٧]. والصحيح عندي : أن «إذ» قد يراد بها الاستقبال كما يراد بها المضي ؛ فمن ذلك قوله تعالى : (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ)[٨] ، وقوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها)[٩] فأبدل (يَوْمَئِذٍ) من «إذا» فلو لم تكن «إذ» صالحة للاستقبال ما أبدل «يوم» المضاف [٤ / ٢٥] إليها من «إذا» ؛ فإنها لا يراد بها إلا الاستقبال.
والمبرد ، وابن السراج ، والفارسي ، وابن خروف [١٠] يرون وجوب وصف المجرور بـ «ربّ» وقلّدهم في ذلك أكثر المتأخرين مع أنه خلاف مذهب سيبويه [١١]. ـ
[١] سورة الحجر : ٢.
[٢]الكشاف (٢ / ٤٤٣ ، ٤٤٤).
[٣] سورة البقرة : ١٤٤.
[٤] سورة الأنعام : ٣٣.
[٥] سورة النور : ٦٤.
[٦] في الأصل : قال.
[٧]سورة سبأ : ٥١ ، وانظر : الأصول لابن السراج (١ / ٣٣٥).
[٨] سورة غافر : ٧٠ ، ٧١.
[٩] سورة الزلزلة : ٤.
[١٠]ينظر : الأصول (١ / ٣٣٤) ، والتذييل (٤ / ٣٧) ، والمقتضب (٤ / ١٣٩ ، ١٥٠ ، ٢٨٩).
[١١]راجع : الكتاب (١ / ٤٢٧) ، (٢ / ٢٧٤).