فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٧
أقول: إنّ الاستدلال بهذه الإطلاقات مع العلم بأنّ الوسائل النقلية المتاحة آنذاك كانت محدودة جداً ، فالمسافر الذي ينقل الخبر يأتي من بلد إلى بلد تكون المسافة بينهم خمسين كيلومتراً أو قريباً منه ، وهذا المقدار من المسافة ـ بل أكثر منها بكثير كما عرفت ـ لا تؤثّر في وحدة الأُفق ، وقلّما يتفق أن يخرج إنسان من مصر ويدخل بغداد حاملاً خبر الهلال ، ويكون قوله حجّة لأهل بغداد التي تقع في الجانب الشرقي بالنسبة إلى مصر ، وإن كنت في شك فلاحظ حديث الخزّاز حيث يقول : « وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر » (٤١).
فإنّ الخبر ظاهر في أنّ البيّنة رأت الهلال قبل يوم ودخلت مصر بعد يوم ، ومن المعلوم أنّ مثل هذا لا يصدق على المسافات الشاسعة .
ومنه يعلم أنّ الاستدلال بصحيحة أبي بصير التي جاء فيها : « إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر » في غير محلّه ؛ فإنّ قوله « من جميع أهل الصلاة » ناظر إلى عمومية الحكم لجميع المسلمين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ، لا على اختلاف بلادهم في الآفاق .
كما أنّ المراد من قوله : « أهل الأمصار » في نفس الصحيحة هي الأمصار المتقاربة التي كان الرجل يقطع بينهما حسب الوسائط النقلية المتوفّرة في يوم أو يومين ، ويحمل خبر الرؤية على ذلك .
الوجه الثالث : صحيحة عيسى بن عبيد
روى محمد بن عيسى بن عبيد قال : كتب إليه أبو عمر (٤٢): أخبرني يا مولاي إنّه ربّما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علّة فيفطر الناس ونفطر معهم ، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا : إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس ، هل يجوز يا مولاي م قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف العرض (الفرض) على أهل الأمصار ،
(٤١)الوسائل ١٠: ٢٨٩الباب ١١، من أبواب أحكام شهر رمضان ، ح ١٠.
(٤٢)أبو عمر الحذاء من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام) .