فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٥
أمّا الأوّلان : فإن ادّعيا على نحو الموجبة الجزئية فهما حجّتان على القائل بالسلب الكلّي ، ولسنا منهم ؛ لأنّا نقول بتنجيس ملاقي المائع النجس ، ولا نضايق في ملاقي الجامد مع اتّحاد الواسطة ، كما كان يذهب إليه سيّدي الوالد طاب ثراه .
وإن ادّعيا على نحو الموجبة الكلّيّة ـ ولو مع تعدّد الوسائط ـ فهم ممنوعان أشدّ المنع ، وأيّ ضرورة أو إجماع يقضي بالنجاسة فيما لو أصاب يد رجل قطرة دم فغسلها بماء الورد والصابون ، ثمّ مسحها بمنديل ، ووقع المنديل في ماء دوين الكرّ ، فغسل به ثوبه الطاهر ، فلاقى سائر ثيابه وأثاث داره إلى خمسين واسطة ، ووقع متمّم الخمسين في غدير قليل فملأ هو وجيرانه منه أوعيتهم وطبخوا به طعامهم وشربوا منه ؟ لا ، وذمام الفقه لا ضرورة ولا إجماع ، بل ولا احتمال ، وحاشا الشريعة الّتي يقول كتابها : {وَمَ جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (١٣)، و {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} (١٤)ويقول شارعها : « بعثت بالحنيفيّة السمحة السهلة » (١٥)، أن يكون حكمها نجاسة جميع ذلك وما بعده من المراتب .
ولعلّ معترضاً يقول : « إنّ هذا فرض بعيد ، ولا يرفع اليد عن الأحكام الشرعيّة بالصور الوهميّة » ويغفل عن وقوع أمثاله وأشدّ منه مكرّراً في جميع السنين ؛ وذلك عند نزول الأمطار وذوبان الثلج ، وبلداً من أعلام المدن كإصفهان إذا مشي كلب عند ذلك في إحدى زواي ميدانه يكفي لتنجيس ميدانه الوسيع ومسجده المشهور الّذي بجنبه وثياب المارّين والمصلّين يوم أو يومان ، وللسوق والمحلاّت المجاورة له خمسة أيّام أو ستّة ، ولا تمضي عشرون يوماً إلاّ ويعزّ فيه الشيء الطاهر ، بل الجميع إمّا معلوم النجاسة تفصيلاً أو إجمالاً بشروط تنجّزه ، ولا بدّ أن يسري إلى قراها القريبة ، ومنها إلى البعيدة .
(١٣) الحج :٧٨.
(١٤) البقرة :١٨٥.
(١٥)بحار الأنوار ٣٠: ٥٤٨. مسند أحمد بن حنبل ٥ : ٢٦٦. النهاية (لابن الأثير) ١ : ٤٣٤.