الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٩ - الثالث هل تكفي نية واحدة لشهر رمضان؟
فنقول: ينبغي ان يعلم انه لا ريب ان أفعال العقلاء كلها من عبادات و غيرها لا تصدر إلا بعد تصور الدواعي الباعثة على الإتيان بها و هي المشار إليها في كلامهم بالعلل الغائية، مثلا يتصور الإنسان ان الإتيان بهذا الفعل يترتب عليه النفع الفلاني فإذا تصورت النفس هذا الغرض انبعث منها شوق الى جذبه و تحصيله، فقد يتزايد هذا الشوق و يتأكد و يسمى بالإرادة، فإذا انضم إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك الأعضاء إلى إيقاع ذلك الفعل و إيراده و تحركت الى إصداره و إيجاده لأجل غرضها الذي تصورته أولا، فانبعاث النفس و توجهها و قصدها الى ما فيه غرضها هو النية، نعم قد يحصل بسبب تكرر الفعل و الاعتياد عليه نوع ذهول عن تلك العلة الغائية الحاملة على الفعل إلا ان النفس بأدنى توجه و التفات تستحضر ذلك كما هو المشاهد في جملة أفعالنا المتكررة منا.
و حينئذ فليست النية بالنسبة إلى الصلاة و الطهارة و الصيام و نحو ذلك من العبادات إلا كغيرها من سائر أفعال المكلف من قيامه و قعوده و أكله و شربه و نكاحه و نومه و مغداه و مجيئه و نحو ذلك، و لا ريب ان كل غافل غير ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الأفعال و نحوها إلا بنية و قصد، مع انه لا يتوقف شيء من ذلك على هذه النية التي ذكروها و الاختلافات التي سطروها.
و لا فرق بين ما ذكرنا من هذه الأفعال و بين العبادات إلا قصد القربة لله سبحانه في العبادات، و هذا لا يوجب ما ذكروه في أمثال هذا المقام.
و حينئذ فإذا كان المكلف عالما بوجوب الصوم عليه و انه عبارة عن الإمساك عن تلك الأمور المذكورة لله سبحانه كما هو الآن ضروري لعامة الناس فإنه برؤية هلال الشهر المذكور يوطن نفسه على ذلك و يكف عن هذه الأشياء في كل يوم من طلوع الفجر الى غروب الشمس و متى فعل ذلك فان صومه صحيح شرعي، و هذا هو الذي جرى عليه السلف زمن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و ما بعدهم، فإنه متى دخل عليهم الشهر اجتنبوا ما حرم الله عليهم في نهاره و كفوا عنه قاصدين