منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢ - الثالث فى تحقيق معنى الرجاء و الخوف على فى ما شرح البحرانى اخذا من احياء العلوم لابى حامد الغزالى بتغيير و تصرف يسير
و توقّعا، فان كان مكروها حدث منه في القلب تألم يسمّى خوفا و اشتفاقا، و إن كان محبوبا حصل من انتظاره و تعلّق القلب به لذّة للنفس و ارتياح باخطار وجوده بالبال يسمّى ذلك الاتياح رجاء.
و لكن ذلك المحبوب المتوقّع لا بدّ و أن يكون له سبب، فان كان توقّعه لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق، و إن كان انتظاره مع العلم بانتفاء أسبابه فاطلاق اسم الغرور و الحمق عليه أصدق من اسم الرجاء، و إن كانت الأسباب غير معلومة الوجود و لا معلومة العدم فاسم التمنّى أصدق على انتظاره.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أرباب القلوب و العرفان قد علموا أنّ الدّنيا مزرعة الآخرة، فالقلب كالأرض و البذر هو الايمان و المعارف الألهيّة و تأثر القلب بالمواعظ و النّصايح و الإتيان بالطّاعات جار مجرى تقليب الأرض و اصلاحها و مجرى سياق الماء إليها و اعدادها للزراعة.
و القلب المستغرق بحبّ الدّنيا و الميل إليها كالأرض الصلبة أو السبخة التي لا تقبل الزّرع و الانبات و لا ينمو فيها البذر لصلب الأرض أو لمخالطة الأجزاء الملحية، و يوم القيامة يوم الحصاد و لا حصاد إلّا من زرع، و لا زرع إلّا من بذر و كما لا ينفع الزّرع في أرض صلبه سبخة كذلك لا ينفع إيمان مع حبّ القلب و قساوته و سوء الأخلاق.
فينبغي أن يقاس رجاء العبد لمغفرة اللَّه و رضوانه برجاء صاحب الزّرع و كما أنّ من طلب أرضا طيّبة و قلّبها و القى فيها بذراً جيّدا غير متعفّن و لا مسوس ثمّ أمدّه بالماء العذب و ساير ما يحتاج إليه في أوقاته، ثمّ طهّره عن مخالطة ما يمنع نباته من الشّوك و الحشيش و نحوهما، ثمّ جلس منتظراً من فضل اللَّه رفع الصواعق و الآفات المفسدة إلى أن يتمّ الزّرع و يبلغ غايته كان ذلك رجاء في موضعه و استحقّ اسم الرجاء إذا كان في مظنّة أن يفوز بمقصده من ذلك الزّرع.
و من بذر في أرض كذلك إلّا أنّه بذر في اخريات النّاس و لم يبادر إليه في