شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٥٨ - خطبة لامير المؤمنين
البعاد، و قد استحوذ عليهم الشيطان، و غمرتهم سوداء الجاهليّة و رضعوها جهالة و انفطموها ضلالة فأخرجنا اللّه إليهم رحمة و أطلعنا عليهم رأفة و أسفر بنا عن الحجب نورا لمن
كذلك فاقد البصيرة لا يهتدى الى مقاصده المعقولة لاختلال بصيرته، و فى القاموس العمه محركة التردد فى الضلال و التحير فى منازعة أو طريق أو أن لا يعرف الحجة و فعله كمنع و فرح.
(جائرين عن الرشاد)
(١) أى مائلين عن طريق الحق ضالين عن منهج الصواب من جار عن الطريق يجور اذا مال و ضل. و فى بعض النسخ «حائرين» بالحاء المهملة أى راجعين من الحور بمعنى الرجوع.
(مهطعين الى البعاد)
(٢) الاهطاع الاسراع فى العدو اى مسرعين الى البعاد عن رحمة اللّه تعالى أو عن الخير أو عن سبيل الحق أو الى الهلاك أو الى الخيانة أو الى اللعن و البعاد فى الثلاثة الاولى من البعد ضد القرب و فى الثلاثة الاخيرة من البعد بهذه المعانى و كل ذلك لجهلهم بربهم و كتابهم و نبيهم و شريعتهم و مراشد امورهم و مصالحها.
(قد اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطٰانُ)
(٣) أى استولى عليهم و ألجمهم بلجامه و قادهم الى سبيله لكون نفوسهم قابلة لذلك و هذه اللفظة أحد ما جاء على الاصل من غير اعلال خارجة عن اخواتها نحو استقال و استقام
(و غمرتهم سوداء الجاهلية)
(٤) الغمر التغطية يقال غمره الماء اذا غطاه ففيه مكنية و تخييلية و المراد بالسوداء اما الجاهلية على أن يكون الاضافة بيانية أو الجهالة أو الخصلة الذميمة على أن تكون الاضافة بتقدير فى وصفها بالسوداء للدلالة على حيرتهم فيها و لعل المراد انهم كانوا غائصين فى الجاهلية أو فى جهالتها أو فى خصالها الذميمة و هو كناية عن تصرفاتهم الباطلة على جهل منهم بما ينبغى لهم من وجوه التصرفات الصحيحة، و يمكن أن يكون المراد أنهم كانوا فى شدة و بلية و ذلك لان العرب كانت حينئذ فى شدائد من ضيق المعاش و النهب و الغارات و سفك الدماء.
(و رضعوها جهالة)
(٥) تشبيه الجهالة باللبن مكنية و نسبة الرضاع إليها تخييلية و فيه تنبيه على أنهم كانوا فى أول العمر ساعين فى طلب الجهالة راغبين فى تحصيل لوازمها.
(و انتظموها ضلالة)
(٦) فى كنز اللغة الانتظام بهم بازدوختن و هو يفيد أنه يجيء للتعدية و الافتعال قد يجيء لها و ان كان غالبا للمطاوعة كالاحترام و الاتهام و نحوهما و لعل المعنى انتظموا الجهالة بالضلالة و وصلوها بها و فيه تنبيه على أن ضلالتهم و خروجهم عن الدين ثمرة جهالتهم فيه و فى بعض النسخ «و انفطموا» أى انفطموا عن رضاع الجهالة من أجل غذاء الضلالة شبه الضلالة بالطعام بعد الفطام و المقصود بيان تمرنهم بالجهالة و الضلالة حتى صار ذلك حاجبا