بيان الأصول - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٢٦٧ - التنبيه الأوّل
و ملاكا و ميزانا لدفع الاختلافات و المخاصمات، و وصول كل ذي حق إلى حقه، و مبنى لحفظ النظام، و غيرها من الفوائد الدنيوية و الاخروية مطلقا، أي و لو لم يكن إليها طريق. و إمّا أن يقال بفعليتها مع وجود الطريق إليها. و لا سبيل إلى الأوّل.
و على الثاني: فإمّا نقول بأنّ الشارع أراد انتفاع المكلفين بهذه الأحكام إذا قام إليها طريق قطعي و ثبت بالعلم و القطع، أم لا.
فعلى الأوّل، يلزم حرمانهم عن فوائد جل الأحكام و تفويت منافعها، و من المقطوع أنّه لا يريد ذلك، فيدور الأمر بين أن يكون المرجع هو الطرق الظنية المتعارفة، أو الرجوع إلى العقل، و لا ريب في تعيّن الأوّل. فإنّ الرجوع إلى العقل و كونه ملاكا في استنباط الأحكام بالخرص و التخمين و الاستحسان أمر مرغوب عنه و قبيح شرعا و عقلا، قال اللّه تعالى وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [١].
فلا مجال لتطرق الاستحسانات و التخمينات العقلية في استنباط الأحكام الإلهية، فإنّ العقل قاصر عن الإحاطة بجميع المصالح و المفاسد، و إدراك تمام ملاكات الأحكام و مناطاتها. أ لا ترى أنّ العالم الخبير في كل فن يرى إحالة إدراك بعض المطالب العالية الغامضة إلى الجاهل غير المطلع على هذا الفن قبيحا، و يرى حكومته و إظهار رأيه
[١]. الأنعام (٦): ١١٦.