المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٨ - مقدّمة الكتاب
الأرض) الخلافة. فوجود الإنسان في الأرض هو وجود خلافتي يراد منه إعمارها. و الهدف من خلق الإنسان العبادة، و هذان إنما يتحققان على هدى ما ينصبه اللّه سبحانه و تعالى من الدلائل التي تكمل إدراك العقول الفطري لمناهج السلوك في هذه الحياة خلافة في الأرض و عبادة للّه سبحانه و تعالى.
و قد أنزل اللّه على رسله الكرام في جميع عهود التاريخ هذه الرسالات التي تشرح للبشر مغزى حياتهم و تهديهم إلى مسالك هذه الحياة وفقا لفطرة اللّه و لغاياته في الخلق و الوجود، و ختم اللّه هذه الرسالات بأكملها و أعلاها و أوسعها على لسان خاتم النبيين محمد (صلى اللّه عليه و آله) و صحبه الذين اتبعوه بإحسان، و هذه الرسالة الخاتمة المباركة اشتملت على ثلاث أطر كبرى تتعلق بالسلوك البشري:
اشتملت على العقيدة التي تقوم عليها رؤية الإنسان للكون و الحياة و الإنسان و مركز الإنسان في الكون و الحياة، و اشتملت على الشريعة التي تحدّد الأطر السلوكية لحياة الإنسان سواء في ذلك علاقته مع اللّه، العلاقة المباشرة مع اللّه و التعبير عنها في العبادة، أو في علاقته مع الطبيعة و مع البشر الآخرين، (المجتمع و سائر الناس) و هذه ينطبق عليها عنوان المعاملات في وجه عام، و الإطار الثالث هو الإطار الأخلاقي الذي يمثل الطموح نحو الكمال الاسمي الذي جعله اللّه هدفا لحركة الإنسان في حياته، بحيث يتجاوز ما طلبه اللّه منه إلى ما ندبه اللّه إليه سواء في علاقته مع اللّه- و هذا يدخل فيه حقل العرفان و التصوف- أو في علاقته مع البشر، و هذا يدخل فيه حقل الإحسان سواء إلى البشر أو إلى سائر مظاهر الحياة الأخرى.
و هذه الشريعة ليست قوالب جامدة كما أنها ليست كلها أحكاما نهائية، كما أنها ليست كلها أحكاما محدودة بجيل من الأجيال و عصر من العصور و محددة في مجال معين من مجالات حياة الإنسان، بل هي منهج عام لحياة البشر في جميع أبعادها على مدى تاريخ البشرية الآتي و على مدى عمر الدنيا.
و من المعلوم أن مبدأ الخلافة في الأرض يجعل الإنسان في حالة تطور و تقلب من حال إلى حال، و من طور إلى طور، و تتجدد تبعا لذلك احتياجاته و مشاكله و وجوه علاقته مجتمعا و فردا و أسرة مع البشر الآخرين و مع الطبيعة.