المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٤٥٨ - ٩- هل يدل نسخ الوجوب على الجواز؟
الثالث: أنه لو وجب الأخذ بالدلالة الالتزامية للدليل المنسوخ لكان دالا على عدم الترخيص. و ذلك لأن الاحكام الأولية يستحيل أن تجتمع فهي اضداد.
و من الواضح أنه إذا ثبت ضد فيجب ارتفاع بقية الاضداد فإذا ثبت أن هذا الجسم أسود فلازمه أنه ليس أصفر و لا أبيض و لا غير ذلك من الألوان.
فحينئذ إذا دل الدليل المنسوخ على أن حكم هذه الواقعة هو الوجوب فقد دل بالالتزام على انتفاء الأحكام الاربعة السابقة.
فإذا قلنا بحجية هذه الدلالة الالتزامية دلت على عدم الاحكام الاربعة و بالتالي على عدم الترخيص المنطبق على الاباحة و الاستحباب و الكراهة [١].
فظهر فساد الدليل الأول.
الدليل الثاني: و هو الاستصحاب و حاصله أن الدليل المنسوخ دل على ثبوت الوجوب و هو مركب من جنس و هو الترخيص و فصل هو المنع من الترك. و الناسخ إنما دل على نسخ الفصل أي المنع من الترك و لا دلالة له على نسخ الجنس كما عرفت في الأمر الرابع و عليه فيحصل الشك في بقاء الجنس فنستصحب بقاءه.
و هذا الدليل فاسد و ذلك لأمور.
الأول: أن الوجوب اعتبار شرعي بسيط كما هو المشهور، و حكم عقلي انتزاعي بسيط كما هو مبنى عدة من المتأخرين كما عرفت في مبحث الاوامر. و على القولين فالوجوب بسيط غير مركب.
الثاني: أن الحق استحالة بقاء الجنس بدون الفصل فمع زوال الفصل نعلم بانعدام الجنس فلا شك في بقائه بل هناك قطع بعدمه و إنما نشك بوجود الجنس ثانية في فصل ثاني و هذا الاستصحاب لا يجوز جريانه لأنه
[١] و يمكن دفع الثالث بأن الناسخ كما دل على كذب المطابقية فقد دل على كذب الالتزامية أيضا إذ بناء على عدم خلوا الواقعة من حكم كان ارتفاع الوجوب لازمة ثبوت أحد الأربعة.