المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٤٧٣ - ١١- دلالة الأمر بالأمر على الوجوب
و توضيح ذلك: إن الأمر بالأمر لا على نحو التبليغ يقع على صورتين:
الأولى: أن يكون غرض المولى يتعلق في فعل المأمور الثاني، و يكون أمره بالأمر طريقا للتوصل إلى حصول غرضه. و إذا عرف غرضه أنه على هذه الصورة يكون أمره بالأمر- لا شك- أمرا بالفعل نفسه.
الثانية: أن يكون غرضه في مجرد أمر المأمور الأول، من دون أن يتعلق له غرض بفعل المأمور الثاني، كما لو أمر المولى ابنه- مثلا- أن يأمر العبد بشيء، و لا يكون غرضه إلا أن يعود ابنه على إصدار الأوامر أو نحو ذلك، فيكون غرضه- فقط- في إصدار الأول أمره، فلا يكون الفعل مطلوبا له أصلا في الواقع.
الظهورات اللفظيّة بل من نوع الأصول العقلائية فهنا دعويان.
أما الدعوى الأولى أي أنه ليس من الظهورات اللفظيّة فلأن المولى إذا قال لزيد (مر عمرا بشرب الماء) لم تكن هذه الألفاظ دالة سوى على (وجوب أمر عمر شرب الماء) و لا دلالة له على الغرض لا حقيقة و لا مجازا.
اما لفظ عمر و شرب الماء فواضح أنها إنما وضعت و استعملت في هذه الماهيات المعروفة.
و أما (مر) فهو فعل أمر مادته (الأمر) و معناها قد عرف سابقا و لا دلالة له على غرض المولى أصلا. و هيئته هيئة افعل و لا دلالة لها سوى على البعث كما مر.
و الحاصل أن هذه العبارة لا تدل على أن غرض المولى هو كذا و كذا بل لا إشارة لها إليه أصلا.
و أما الدعوى الثانية أي أنه من نوع القواعد العقلائية فلأن العقلاء غالبا إنما يأمرون بهذا الغرض (أي أن غرضهم في الفعل المأمور به) و لهذا يحملون هذه العبارة على الغالب و هو أن غرض المولى تعلق (بشرب عمر للماء).