المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٦١ - ٢- اعتبار العلو في معنى الأمر
كل هذا بحكم التبادر و صحة سلب الأمر عن طلب غير العالي،
و هو الواعظ.
لكن مع ذلك فلو أن الشيطان لبس لباس الملائكة و ظن الناس أنه ملك ثم خوفهم من عقاب اللّه تعالى سمي وعظه وعظا حتى لو تبين فيما بعد أنه الشيطان فيقال وعظنا الشيطان.
و سر أن هذا القسم يصدق بمجرد الإظهار و الادعاء بخلاف القسم الأول هو أن هذا القسم موضوع لمعاني تأثيرية في الاشخاص فالتهديد و الوعظ و التخويف و الاضحاك و الاثارة و الغزل و غير ذلك معان تأثيرية أي تستوجب التاثير بالشخص تأثيرا خاصا.
و من الواضح أن الناس كما تتأثر مما يؤثر واقعا فكذلك تتأثر مما تعتقده مؤثرا و إن لم يكن مؤثرا واقعا فالإنسان أن اعتقد أن خياله أسد خاف منه. و أن اعتقد أن الاسد خيال لم يخف منه و من هنا كان التهديد لا يتوقف على وجود القدرة واقعا بل يكفي وجود القدرة ظاهرا بنحو يعتقد السامع قدرة المهدد على الأذية و هكذا سائر أفعال هذا القسم بخلاف القسم الأول فانه موضوع لأفعال واقعية كالطيران و الضرب و نحوهما.
إذا عرفت هذين القسمين فنقول أن (الأمر) هل هو من الأول حتى لا يتحقق الأمر بمجرد إظهار العلو أم هو من الثاني حتى يتحقق الأمر بمجرد اظهار العلو و القدرة على الالصاق.
و الجواب بعد المراجعة إلى العرف و الوجدان هو أن الأمر من الثاني و ذلك لأن الأمر طلب مع إلصاق المطلوب منه بالفعل المطلوب و الطلب حاصل حقيقة و أما الإلصاق فهو فعل تأثيري أي أن يرى الشخص نفسه ملصقا بهذا الفعل لا يمكنه مفارقته و هذه الرؤية تارة يكون سببها حقيقيا و أخرى ادعائيا و على الحالين تكون الرؤية المذكورة موجودة واقعا.
فلو أن شخصا لبس لباس الملك و أظهر أنه الملك و اعتقد الناس بأنه الملك ثم جلس على كرسي السلطنة و أمر الناس أن يسجدوا له فانه يصدق على أمره هذا (أمر) حتى لو تبين للعرف بعد ذلك أنه ليس الملك بل رجل