المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ١٤ - بداية وضع علم الأصول
لأجل فرز الخطأ عن الصواب، و لأجل تسهيل عملية البحث المعرفي.
إن وعي هذه الحاجة يؤدي إلى أن تتولد من طبيعة تلك الأسئلة و الأجوبة رؤى و نقاط بحثية منهجية تتكامل بالتدريج إلى أن تكوّن المنهج، فنواة المنهج تنمو مع نمو الأجوبة على الأسئلة التي تتوالد في حقل المعرفة، و قد حدث هذا في جميع العلوم التي تبحث في الحقول المعرفية للوعي الإنساني و مناهجها، و من ذلك ما تولد بالنسبة لعلم الفقه فقد بلّغ الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الشريعة المقدسة بعد أن أوحيت إليه بصيغة الكتاب الكريم و بصيغة السنّة المباركة طيلة حياته الشريفة نبيا و داعيا، و بلغت لنمو المجتمع الإسلامي و نمو الأمة و الوعي و الحاجات و وضعت في سياقين.
الأول: سياق خاص أجاب على نقاط محددة طرأت على حياة المسلمين في حال تكونهم الأولي.
الثاني: صيغة قواعد عامة لحظ بها تكون الأمة و تطورها في المستقبل و توسعها بالتوالد الذاتي، و الانتشار التبشيري و الدعوتي، و قد تفاعلت الأمة مع هذه القواعد و بنت عليها حياتها.
و بحسب مقصد و مهمة خلافة الإنسان على الأرض كانت هذه الأمة، كسائر الأمم، تتفاعل مع الحياة من خلال تفاعلها مع الطبيعة و مع المجتمعات الأخرى و مع نفسها، ففي التفاعل الذاتي و الداخلي كانت تتولد أسئلة، و تولى أصحاب الرسول الكرام و الذين تفقهوا عليهم الإجابة على هذه الأسئلة بما فهموه من الكتاب و السنة.
و كان أئمة أهل البيت (صلوات اللّه و سلامه عليهم) يواكبون هذا النمو في حقل الحياة و في الحقل المعرفي فكانوا يقدمون الأجوبة على الأسئلة التي تطرأ على حياة الأمة، و يفسرون ما أجمله الكتاب و السنة، و ما قدم بصيغة القواعد و المبادئ العامة، و حينما اتسع هذا الحقل المعرفي بدأت الحاجة إلى تقعيد عملية الاستنباط و اكتشاف الحكم الشرعي، و هكذا تولد علم الأصول من قواعد أولى نشأت من طبيعة علم الشريعة و علم الفقه، و حيث أن اللغة العربية هي المادة التعبيرية الأساس التي وردت بها هذه الشريعة في الكتاب و السنّة، كان من الطبيعي أن تنبثق أبحاث علم الأصول من علم الفقه