المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ١١٥ - بقي شيء
و الصحيح هذا القول الثالث. و يحتاج إلى توضيح و بيان:
و حاصل ما ذكره أن الحروف موضوعة لبيان النسبة بين الطرفين، فإذا قلت (زيد في الدار) بينت بكلمة (زيد) صورته و بكلمة (الدار) صورته أيضا، و هاتان صورتان مستقلتان ثم بينت بكلمة (في) أن نسبة زيد إلى الدار هي نسبة الظرفية، أي أن زيد موجود في الدار. و هكذا ساير الحروف. فالأسماء تدل على معان مستقلة و الحروف تدل على ربط هذه المعاني بعضها ببعض.
و قد استدل المصنف (ره) على هذا القول بكلام يمكن أن يستظهر منه أحد استدلالين. و نحن نذكر الاستدلالين ثم نبين كيف نستظهرهما من كلام المصنف.
أما الاستدلال الأول: فمركب من مقدمات أربعة.
المقدمة الأولى: أن الموجود في الخارج أمران.
الأول: وجودات مستقلة موجودة في نفسها و ذلك كوجود الجوهر كزيد، و العرض كقيام زيد، فإن كلا من الجوهر و العرض له وجود في نفسه غايته أن الجوهر موجود غير محتاج في تقرر وجوده إلى وجود آخر و إن احتاج إلى علة وجود. بينما العرض يحتاج بعد علة الوجود إلى وجود جوهر ليتقرر فيه.
الأمر الثاني: وجودات لا في نفسها سموها بالوجود الرابط و هي وجودها عين الربط و تكون موجودة متقومة بالطرفين المنتسب و المنتسب إليه كالجوهر و العرض.
المقدمة الثانية: أن كل ما هو موجود في الخارج ينتقل الى ذهن الإنسان و يوجد فيه صورته بواسطة أدوات الحس أو غيرها.
المقدمة الثالثة: أن اللغة متكفلة لأبنائها أن يستطيعوا أن يعبروا بواسطتها عن جميع ما يوجد في أذهانهم. فكل موجود ذهني له لفظ يعبر عنه و موضوع للدلالة عليه.
و ينتج من هذه المقدمات الثلاث وجود ألفاظ أو غيرها تكون في اللغة موضوعة للدلالة على المعاني التي هي عبارة عن الربط.