المغازي - الواقدي - الصفحة ٣٩٣ - سريّة ابن عتيك إلى أبى رافع
(١) فلمّا انتهينا جعل سمك [١] البيت يقصر علينا، و جعلت سيوفنا ترجع.
قال ابن أنيس: و كنت رجلا أعشى لا أبصر بالليل إلّا بصرا ضعيفا.
قال: فتأمّلته كأنه قمر. قال: فأتّكئ بسيفي على بطنه حتى سمعت خشه [٢] فى الفراش و عرفت أنه قد قضى. قال: و جعل القوم يضربونه جميعا، ثم نزلنا و نسى أبو قتادة قوسه فذكرها بعد ما نزل، فقال أصحابه دع القوس. فأبى فرجع فأخذ قوسه، و انفكّت رجله فاحتملوه بينهم، فصاحت امرأته، فتصايح أهل الدار بعد ما قتل. فلم يفتح أهل البيوت عن أنفسهم ليلا طويلا، و اختبأ القوم فى بعض مناهر [٣] خيبر. و أقبلت اليهود و أقبل الحارث أبو زينب، فخرجت إليه امرأته فقالت: خرج القوم الآن. فخرج الحارث فى ثلاثة آلاف فى آثارنا، يطلبوننا بالنيران فى شعل [٤] السّعف، و لربّما [٥] و طئوا فى النهر، فنحن فى بطنه و هم على ظهره فلا يرونا، فلمّا أوعبوا فى الطلب فلم يروا شيئا رجعوا إلى امرأته فقالوا لها: هل تعرفين منهم أحدا؟ قالت: سمعت منهم كلام عبد اللّه بن عتيك، فإن كان فى بلادنا هذه فهو معهم. فكروا الطلب الثانية، و قال القوم فيما بينهم: لو أنّ بعضنا أتاهم فنظر هل مات الرجل أم لا. فخرج الأسود بن خزاعىّ حتى دخل مع القوم و تشبه بهم، فجعل فى يده شعلة كشعلهم حتى كرّ القوم الثانية إلى القصر و كرّ معهم، و يجد الدار قد
[١] السمك: السقف. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٠٧).
[٢] فى الأصل: «جسه»، و التصحيح عن نسخة ب. و خشه: أى شقه. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٧٢).
[٣] مناهر: جمع منهر، و هو خرق فى الحصن نافذ يجرى منه الماء. (لسان العرب، ج ٧، ص ٩٥).
[٤] الشعل: جمع شعلة، و هي قطعة من خشب تشعل فيها النار. و السعف: أغصان النخلة.
(لسان العرب، ج ١٣، ص ٣٧٦، ج ١١، ص ٥١).
[٥] فى الأصل: «و لزما و ظنونا»، و ما أثبتناه هو قراءة ب.