المغازي - الواقدي - الصفحة ٣١ - بدر القتال
(١) قال: و غدوت فى اليوم الثالث و أنا حديد مغضّب، أرى أن قد فاتنى منه أمر أحبّ أن أدركه، و أذكر ما أحفظتنى النساء به من مقالتهنّ لى ما قلن، فو اللّه إنى لأمشى نحوه- و كان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر- إذ خرج نحو باب بنى سهم يشتدّ، فقلت: ما باله، لعنه اللّه؟ أكلّ هذا فرقا من أن أشاتمه؟ فإذا هو قد سمع صوت ضمضم ابن عمرو و هو يقول: يا معشر قريش، يا آل لؤىّ بن غالب، اللّطيمة، قد عرض لها محمد فى أصحابه! الغوث، الغوث! و اللّه، ما أرى أن تدركوها! و ضمضم ينادى بذلك ببطن الوادي، قد جدّع أذنى بعيره، و شقّ قميصه قبلا و دبرا، و حوّل رحله. و كان يقول: لقد رأيتنى قبل أن أدخل مكّة و إنى لأرى فى النوم، و أنا على راحلتي، كأن وادي مكّة يسيل من أعلاه إلى أسفله دما، فاستيقظت فزعا مذعورا، و كرهتها لقريش، و وقع فى نفسي أنها مصيبة فى أنفسهم. و كان يقال: إنّ الذي نادى يومئذ إبليس، تصوّر فى صورة سراقة بن جعشم، فسبق ضمضما فأنفرهم إلى عيرهم، ثم جاء ضمضم بعده. فكان عمير بن وهب يقول: ما رأيت أعجب من أمر ضمضم قطّ، و ما صرخ على لسانه إلّا شيطان، إنّه لم يملّكنا من أمورنا شيئا حتى نفرنا على الصعب و الذلول. و كان حكيم بن حزام يقول: ما كان الذي جاءنا فاستنفرنا إلى العير إنسان، إن هو إلّا شيطان! فقيل: كيف يا أبا خالد؟ فقال: إنّى لأعجب منه، ما ملّكنا من أمورنا شيئا! قالوا: و تجهّز الناس، و شغل بعضهم عن بعض، و كان الناس بين رجلين، إمّا خارج، و إمّا باعث مكانه رجلا. فأشفقت قريش لرؤيا عاتكة، و سرّت بنو هاشم. و قال قائلهم: كلّا، زعمتم أنّا كذبنا و كذبت عاتكة! فأقامت قريش ثلاثة تتجهّز، و يقال يومين، و أخرجت قريش أسلحتها