المغازي - الواقدي - الصفحة ٢٢٤ - غزوة أحد
(١) فخرج يعدو حتى انتهى إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و هو يسوّى صفوف المسلمين، فجاء من خلف الصفوف حتى انتهى إلى الصفّ الأوّل فكان فيه. و كان أوّل من رمى بسهم من المسلمين، فجعل يرسل نبلا كأنّها الرّماح، و إنه ليكتّ [١] كتيت الجمل. ثم صار إلى السيف ففعل الأفاعيل، حتى إذا كان آخر ذلك قتل نفسه.
و كان رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )إذا ذكره قال: من أهل النار. فلمّا انكشف المسلمون كسر جفن [٢] سيفه و جعل يقول: الموت أحسن من الفرار! يا آل أوس، قاتلوا على الأحساب و اصنعوا مثل ما أصنع! قال: فيدخل بالسيف وسط المشركين حتى يقال قد قتل، ثم يطلع و يقول: أنا الغلام الظّفرىّ! حتى قتل منهم سبعة، و أصابته الجراحة و كثرت به فوقع. فمر به قتادة بن النّعمان فقال:
أبا الغيداق! قال له قزمان: يا لبيّك! قال: هنيئا لك الشهادة! قال قزمان: إنى و اللّه ما قاتلت يا أبا عمرو على دين، ما قاتلت إلّا على الحفاظ أن تسير قريش إلينا حتى تطأ سعفنا. فذٍكر للنبيّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )جراحته فقال: من أهل النار. فأندبته [٣] الجراحة، فقتل نفسه. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: إنّ اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
قالوا: و تقدّم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )إلى الرماة فقال: احموا لنا ظهورنا، فإنّا نخاف أن نؤتى من ورائنا، و الزموا مكانكم لا تبرحوا منه، و إن رأيتمونا نهزمهم، حتى ندخل عسكرهم، فلا تفارقوا مكانكم، و إن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا و لا تدفعوا عنّا، اللّهمّ، إنّى أشهدك عليهم!
[١] يقال: كت البعير يكت إذا صاح صياحا لينا. (الصحاح، ص ٢٦٢).
[٢] الجفن: غمد السيف. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٠٩).
[٣] فى ح: «فآذته». و أندبته الجراحة: صارت فيه الندوب. (القاموس المحيط، ج ١، ص ١٣١).