المغازي - الواقدي - الصفحة ١٨٩ - قتل ابن الأشرف
(١) فخرج أبو نائلة من عنده على ميعاد، فأتى أصحابه فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده.
ثم أتوا النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )عشاء فأخبروه، فمشى معهم حتى أتى البقيع [١]، ثم وجّههم، ثم قال: امضوا على بركة اللّه و عونه!
و يقال: وجّههم بعد أن صلّوا العشاء و فى ليلة مقمرة مثل النهار، فى ليلة أربع عشرة من ربيع الأوّل، على رأس خمسة و عشرين شهرا.
قال: فمضوا حتى أتوا ابن الأشرف، فلمّا انتهوا إلى حصنه هتف به أبو نائلة، و كان ابن الأشرف حديث عهد بعرس، فوثب فأخذت امرأته بناحية ملحفته و قالت: أين تذهب؟ إنك رجل محارب، و لا ينزل مثلك فى هذه الساعة. فقال: ميعاد، إنما هو أخى أبو نائلة، و اللّه لو وجدنى نائما ما أيقظنى. ثم ضرب بيده الملحفة و هو يقول: لو دعى الفتى لطعنة أجاب. ثم نزل إليهم فحيّاهم، ثم جلسوا فتحدّثوا ساعة حتى انبسط إليهم، ثم قالوا له: يا ابن الأشرف، هل لك أن تتمشّى إلى شرج العجوز [٢] فنتحدّث فيه بقيّة ليلتنا؟ قال: فخرجوا يتماشون حتى وجّهوا قبل الشّرج، فأدخل أبو نائلة يده فى رأس كعب ثم قال: ويحك، ما أطيب عطرك هذا يا ابن الأشرف! و إنما كان كعب يدهّن بالمسك الفتيت بالماء و العنبر حتى يتلبّد فى صدغيه، و كان جعدا جميلا. ثم مشى ساعة فعاد بمثلها حتى اطمأنّ إليه، و سلسلت يداه فى شعره و أخذ بقرون رأسه، و قال لأصحابه:
اقتلوا عدوّ اللّه! فضربوه بأسيافهم، فالتفّت عليه فلم تغن شيئا، وردّ بعضها بعضا، و لصق بأبى نائلة. قال محمّد بن مسلمة: فذكرت مغولا [٣]
[١] أى بقيع الغرقد، و هو مقبرة المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٦٥).
[٢] شرج العجوز: موضع قرب المدينة كما ذكر السمهودي. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢٨).
[٣] المغول: حديدة دقيقة لها حد ماض. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ١٥).