الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٥٥ - الخلاف بين من قالوا بجواز التعبد بخير الواحد في وجوب العمل به عقلا ونقلا
الحجة الرابعة : أنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول ، لتعذر تحقيق بعثة الرسول إلى كل أهل عصره ، وذلك ممتنع . وبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف أهل عصره إلا بالمشافهة أو الرسل ، ولا سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره . والرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد . والتواتر إلى كل أحد متعذر . فلو لم يكن خبر الواحد مقبولا ، لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلق فيما أرسل به ، وهو محال مخالف لقوله تعالى :
* ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * ( ١٦ ) النحل : ٤٤ ) .
ولقائل أن يقول : إنما يمتنع ذلك ، أن لو كان التبليغ إلى كل من في عصره واجبا ، وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به ، وليس كذلك ، بل إنما هو مكلف بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه إما بالمشافهة أو بخبر التواتر . وكذلك كل واحد من الأمة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه . وإما مع عدم علمه به ، فلا . ولهذا ، فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية والجزائر المنقطعة ، ولا سبيل إلى إعلامه ، فإن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لم يكن مكلفا بتبليغه ، ولا ذلك الشخص كان مكلفا بما أرسل به .
الحجة الخامسة : قالوا : قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب ، فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول وغلب على الظن صدقه ، فإما أن يجب العمل بالاحتمال الراجح والمرجوح معا ، أو تركهما معا ، أو العمل بالمرجوح دون الراجح ، أو بالعكس :
بالاحتمال لا سبيل إلى الأول والثاني والثالث ، لأنه محال فلم يبق سوى الرابع وهو المطلوب .
ولقائل أن يقول : ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله ، ولا يجب تركه ، بل هو جائز الترك ؟ والقول بأن مخالفة أمر الرسول موجبة لاستحقاق العقاب مسلم فيما علم فيه