الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٦٤ - الخلاف بين من قالوا بجواز التعبد بخير الواحد في وجوب العمل به عقلا ونقلا
والجواب : عن الأول أن إنفاذ الآحاد لتعريف التوحيد والرسالة لم يكن واجب القبول ، لكونه خبر واحد ، بل إنما كان واجب القبول من جهة ما يخبرهم به من الأدلة العقلية ، ويعرفهم من الدلائل اليقينية التي تشهد بصحتها عقولهم ، ولا كذلك فيما يخبر به من الأخبار الدالة على الأحكام الشرعية .
وعن الثاني أنهم لو كانوا عالمين بالأحكام الشرعية التي دل عليها خبر الواحد ، لما احتيج إلى إرساله لتعريفهم لما قد عرفوه ، لما فيه من تحصيل الحاصل . كيف وإن تعريف المعلوم بالخبر المظنون محال ، وهذا بخلاف ما إذا علم كون خبر الواحد مما يجب العمل به في الجملة ، فإن تنفيذ الواحد لا يعرف وجوب العمل بقوله بل إنما يعرف المخبر به على ما هو عليه ، وذلك لم يكن معروفا قبل خبره ، فكان تنفيذه لتعريف ذلك مفيدا .
والأقرب في هذه المسألة إنما هو التمسك بإجماع الصحابة . ويدل على ذلك ما نقل عن الصحابة من الوقائع المختلفة الخارجة عن العد والحصر ، المتفقة على العمل بخبر الواحد ، ووجوب العمل به .
فمن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، أنه عمل بخبر المغيرة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة ، أن النبي أطعمها السدس ، فجعل لها السدس ومن ذلك عمل عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس ، وهو قوله ، صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب وعمل أيضا بخبر حمل ابن مالك في الجنين ، وهو قوله : كنت بين جاريتين لي ( يعني ضرتين ) فضربت إحداهما الأخرى بمسطح ، فألقت جنينا ميتا ، فقضى فيه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم بغرة ، فقال عمر : لو لم نسمع بهذا ، لقضينا فيه بغير هذا .
وروي عنه أنه قال : كدنا نقضي فيه برأينا . وأيضا فإنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها ، فأخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه .