الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣١٩ - جواز تخصيص الكتاب بالكتاب
فإن قيل : لو كان الكتاب مبينا للكتاب ، لخرج النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عن كونه مبينا للكتاب ، وهو خلاف قوله تعالى * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * ( ١٦ ) النحل : ٤٤ ) وهو ممتنع .
قلنا : إضافة البيان إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ليس فيه ما يمنع من كونه مبينا للكتاب بالكتاب ، إذ الكل وارد على لسانه ، فذكره الآية المخصصة يكون بيانا منه ، ويجب حمل وصفه بكونه مبينا على أن البيان وارد على لسانه ، كان الوارد على لسانه الكتاب أو السنة ، لما فيه من موافقة عموم قوله تعالى * ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) * ( ١٦ ) النحل : ٨٩ ) فإن مقتضاه أن يكون الكتاب مبينا لكل ما هو من الكتاب ، لكونه شيئا ، غير أنا خالفناه في البعض ، فيجب بالبعض الآخر تقليلا لمخالفة الدليل العام .
فإن قيل : ما ذكرتموه ، وإن صح فيما إذا كان الخاص متأخرا ، ولا يصح فيما اما جهل التاريخ ، وذلك لأنه يحتمل أن يكون الخاص مقدما ، فيكون العام بعده ناسخا له ، ويحتمل أن يكون العام متقدما ، فيكون الخاص مخصصا له ، ولم يترجح أحدهما على الآخر ، فوجب التعارض والتساقط ، والرجوع إلى دليل آخر ، كما ذهب إليه أبو حنيفة والقاضي أبو بكر والامام أبو المعالي .
وإن سلمنا كون الخاص مخصصا ، مع الجهل بالتاريخ ، فلا يصح فيما إذا كان العام متأخرا عن الخاص ، فإنه يتعين أن يكون ناسخا لمدلول الخاص ، لا أن يكون الخاص مخصصا للعام ، على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة .
وبيانه من أربعة أوجه :
الأول : أنه إذا قال اقتلوا المشركين فهو جار مجرى قوله اقتلوا زيدا المشرك ، وعمرا المشرك وخالدا وهلم جرا . فإذا الخاص كقوله اقتلوا زيدا المشرك إذا ورد العام بعده بنفي القتل عن الجميع ، فهو ناص على زيد ، ولو قال اقتلوا زيدا لا تقتلوا زيدا كان نسخا .
الثاني : أن الخاص المتقدم يمكن نسخه والعام الوارد بعده مما يمكن أن يكون ناسخا ، فكان ناسخا .