الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣١٨ - جواز تخصيص الكتاب بالكتاب
المسألة الثانية اتفق العلماء على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب ، خلافا لبعض الطوائف .
ودليله المنقول ، والمعقول .
وأما المنقول فهو أن قوله * ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) * ( ٦٥ ) الطلاق : ٤ ) ورد مخصصا لقوله تعالى * ( والذين يتوفون منكم ، ويذرون أزواجا ، يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) * ( ٢ ) البقرة : ٢٣٤ ) وقوله تعالى * ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) * ( ٥ ) المائدة : ٥ ) ورد مخصصا لقوله تعالى * ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) * ( ٢ ) البقرة : ٢٢١ ) والوقوع دليل الجواز .
وأما المعقول فهو أنه إذا اجتمع نصان من الكتاب ، أحدهما عام ، والآخر خاص ، وتعذر الجمع بين حكميهما ، فإما أن يعمل بالعام أو الخاص : فإن عمل بالعام لزم منه إبطال الدليل الخاص مطلقا ، ولو عمل بالخاص لا يلزم منه إبطال العام مطلقا ، لامكان العمل به فيما خرج عنه ، كما سبق ، فكان العمل بالخاص أولى ، ولأن الخاص أقوى في دلالته ، وأغلب على الظن لبعده عن احتمال التخصيص ، بخلاف العام ، فكان أولى بالعمل .
وعند ذلك ، فإما أن يكون الدليل الخاص المعمول به ناسخا لحكم العام في الصورة الخارجة عنه ، أو مخصصا له . والتخصيص أولى من النسخ لثلاثة أوجه :
الأول : أن النسخ يستدعي ثبوت أصل الحكم في الصورة الخاصة ورفعه بعد ثبوته ، والتخصيص ليس فيه سوى دلالته على عدم إرادة المتكلم للصور المفروضة بلفظ العام ، فكان ما يتوقف عليه النسخ أكثر مما يتوقف عليه التخصيص ، فكان التخصيص أولى .
الثاني : أن النسخ رفع بعد الاثبات ، والتخصيص منع من الاثبات ، والدفع أسهل من الرفع .
الثالث : أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ ، فكان الحمل على التخصيص أولى ، إدراجا له تحت الأغلب ، وسواء جهل التاريخ أو علم ، وسواء كان الخاص متقدما أو متأخرا .