الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٩٣ - اختلفوا في صحة الاستثناء من غير الجنس
المدلول للفظ مطابقه ، كما قال الشافعي إنه لو قال القائل : لفلان علي مائة درهم إلا ثوبا فإنه يصح ، ويكون معناه إلا قيمة ثوب ، لاشتراكهما في ثبوت صفة القيمة لهما ، وكما قاله أبو حنيفة في استثناء المكيل من الموزون ، وبالعكس ، لاشتراكهما في علة الربا .
قولكم : لو صح ذلك لصح استثناء كل شئ من كل شئ ، ليس كذلك .
وما المانع أن تكون صحة الاستثناء مشروطة بمناسبة بين المستثنى والمستثنى منه ، كما إذا قال القائل ليس لي نخل إلا شجر ، ولا إبل إلا بقر ، ولا بنت إلا ذكر ولا كذلك فيما إذا قال ليس لفلان بنت إلا أنه باع داره .
وأما القائلون بالصحة ، فقد احتجوا بالمنقول والمعقول :
أما المنقول ، فمن جهة القرآن ، والشعر ، والنثر .
أما القرآن ، فقوله تعالى : * ( وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم . فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) * ( ٧ ) الأعراف : ١١ ) وإبليس لم يكن من جنس الملائكة ، لقوله تعالى في آية أخرى * ( إلا إبليس كان من الجن ، ففسق عن أمر ربه ) * ( ١٨ ) الكهف : ٥٠ ) والجن ليسوا من جنس الملائكة ، ولأنه كان مخلوقا من نار على ما قال * ( خلقتني من نار ) * ( ٧ ) الأعراف : ١٢ ) والملائكة من نور ، ولأن إبليس له ذرية على ما قال تعالى * ( أفتتخذونه وذريته أولياء ) * ( ١٨ ) الكهف : ٥٠ ) ولا ذرية للملائكة ، فلا يكون من جنسهم ، وهو مستثنى منهم . وقوله تعالى : * ( أفرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدو لي ، إلا رب العالمين ) * ( ٢٦ ) الشعراء : ٧٥ ، ٧٧ ) استثنى الباري تعالى من جملة ما كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها ، والباري تعالى ليس من جنس شئ من المخلوقات . وقوله تعالى : * ( وما لهم به من علم إلا اتباع الظن ) * ( ٤ ) النساء : ١٥٧ ) استثنى الظن من العلم ، وليس من جنسه . وقوله تعالى * ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ، إلا قيلا سلاما سلاما ) * ( ٥٦ ) الواقعة : ٢٥ ) استثنى السلام من اللغو ، وليس من جنسه ، وقوله تعالى : * ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) * ( ٤ ) النساء : ٢٩ ) والتجارة ليست من جنس الباطل ، وقد استثناها منه . وقوله تعالى :
* ( فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون ، إلا رحمة منا ) * ( ٣٦ ) يس : ٤٣ ) استثنى الرحمة من نفي الصريخ والانقاذ ، وليست من جنسه . وقوله تعالى : * ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) * ( ١١ ) هود : ٤٣ ) ومن رحم ليس بعاصم ، بل معصوم ، وليس المعصوم من جنس العاصم .