من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٢ - بينات من الآيات
صنع لنفسه قوالب ثقافية معينة يضع كل معلوماته الجديدة فيها فلا يزداد بالحقائق إلا ضلالا، ربنا يقول (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ) ولعل (الباء) هنا للاستعانة وتعبر عن تلك الأحكام المسبقة والقوالب الفكرية الجاهزة التي بها يستمعون إلى الحقائق فيفسرونها حسب أهوائهم والآيات التالية توضح تلك القوالب
(إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً) كانوا يبررون مواقفهم بحجج واهية يقولون إنه مسحور وليس بساحر يمارس الكذب والدجل بينما كانوا يدعون الرسول صلى الله عليه واله (بالصادق الأمين) فلم يبق هناك مجال للتهمة سوى القول بأنه مخدوع بسحر الساحرين فهو مسحور. ويسفه القرآن هذه التهمة فيقول
[٤٨] (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) لأنهم اتهموا رسول الله صلى الله عليه واله تهما واهية وأضلوا الطريق، وانحرفوا عن الجادة، وبذلك صاروا لا يفقهون آيات القرآن ولا يعرفون مغزاها، ولا يهتدون إلى سبيل الحق.
وكما قلنا سلفا: إن الإيمان بالآخرة ضمان للتفكير السليم في الحياة، وإن الكفار لم يكتفوا بإنكار الآخرة، وإنما كانوا يسعون لتبرير اعتقاداتهم بأفكار سخيفة، وشبهات واهية، ومنها الشبهة التالية
[٤٩] (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) إذا كان الإنسان مبعوثا يوما ما فلم يصبح رفاتا أي خلقا يتلاشى؟.
هذا ما كان يتساءل الكفار عنه مستنكرين فأجابهم الله
[٥٠- ( [٥١ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) فسواء كنتم حجارة أو حديدا أو أي شيء آخر، تتصورونه في أذهانكم كبيرا كالجبال والبحار والصحاري وما إلى ذلك.
(فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وبديهي أن الخلق ثانية أهون من الخلق ابتداء. ولعل الكفار كانوا يزعمون أن الحديد والحجر لا سبيل إلى التحكم فيهما، باعتبارها صلبة، وليس كاللحم والعظم- في نظرهم- أو يزعمون أنهما أبعد عن الخلق باعتبارهما جامدين بخلاف البشر المركب من مواد حية.
وأجاب السياق عن شبهتهم بأن كلامهم يخضع لمقاييس المخلوقين أما الخالق فهو على كل شيء قدير.