من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦١ - بعد البلاء أما العذاب أو الرحمة
تحيط بنا الأخطار ونعرف بفطرتنا أن أولئك الآلهة المزيفة، التي تعبد من دون الله لا تغني عنا شيئا فتتصل القلوب برب الأرباب، وتبدا بالمناجاة الحارة، ويفتح الرب أمامنا أبواب رحمته وتستقبلنا بشائر فضله وتنقذنا يد عونه وغوثه (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً) فبدل أن يزداد شكرا تراه يزداد طغيانا وكفرا بنعمة الله، و (كَفُوراً) صيغة تدل على الاستمرار.
[٦٨] (أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ) أين تهرب من قدرة الله؟! صحيح أنه نجاك من هذا البحر الغاضب، لكن من الذي يضمن لك أن لا تخسف بك الأرض، أو ينفجر عليك بركان منها، وهذه الآية إشارة إلى إمكان حدوث التغيرات الجيولوجية في أي لحظة.
(أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً) الحاصب الريح المحملة بالحصى وذرات الرمل.
عندما كانت قوافل العرب تسير في الصحاري التي تتحرك رمالها كانت الرياح تسوق كثبان الرمل فتبتلع القوافل بما فيها وبمن معها، ولعلهم كانوا يسمونها بالحاصب.
هذه طبيعة الإنسان بدل أن يشكر ربه على النعم أولًا وعلى خلاصه من البلاء ثانياً بدل ذلك يكفر.
(ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا) سبق وأن ذكر الله سبحانه بأنه وكيل عن المؤمنين في دفع الشيطان عنهم، ولكن من هو وكيل الكافرين في دفع الموت والضرر هذه الآية تشير إلى ضرورة الرجوع إلى الله لأنه القوي، ولا قوة أعلى من قوته.
عندما ذكر الله أساليب الشيطان صغرها وبين أن عباد الله أقوى منها بفضل الله فإذا كان الشيطان يستطيع إغواء اتباعه فان الله قادر على إهلاكهم رأسا بأن يغرقهم في اليم، أو يخسف بهم الأرض، أو يرسل عليهم ريحا لا تبقي ولا تذر.
بعد البلاء أما العذاب أو الرحمة
[٦٩] (أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً) أي يعيدكم في البحر، فيرسل عليكم القاصف (القاصف) هي: الأعاصير البحرية الهائلة، هذه الآية تشير إلى غباء الإنسان، فأنى له أن يهرب من عذاب الله؟! فحتى لو أسكرته الفرصة وأذهله تتابع النعم عن شكر ربه، فهل ينفعه ذلك؟! الله قادر على أن ينسيك ما أصابك، وهذا ليس من صالحك، إذا قد تلدغ من الجحر الذي لدغت منه في المرة السابقة! إنما عليك أن تتذكر ما أصابك من البلاء ليذكرك بالله سبحانه