من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٦ - كيف تنهار الأمم؟
(وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فلا يستطيع أحد أن يهدي أحداً إلا إذا أراد الآخر أن يهتدي بهداه، كما لا يستطيع أحد إضلال الآخر إلا إذا أراد هذا أن يضل بضلالته، ولكن القرآن ينفي ذلك ويقول: إن لكل عمله. ولا أحد يقدر على تحمل وزر عملك.
والآية هنا تقول (وَازِرَةٌ) وهي اسم فاعل للمؤنث، كناية عن النفس البشرية، وهنا تتبين العلاقة بين النفس والمسؤولية العملية للإنسان.
(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) إن التاريخ يحدثنا بأن العذاب لم ينزل على أمة ما إلا من بعد أن يرسل الله إليهم هاديا ينذرهم، ويبلغهم رسالات ربهم.
كلمة (رَسُولًا) عامة تشمل كل من حمل رسالة التوحيد بصورة مباشرة كرسول الله صلى الله عليه واله أو غير مباشرة مثل الأئمة المعصومين عليهم السلام أو الفقهاء المجتهدين، أو الرساليين والمجاهدين.
كيف تنهار الأمم؟
[١٦] ودليل مسؤولية البشر، هو جزاؤه في الدنيا على سيئات عمله، فينبغي أن نقيس الآخرة بالدنيا، ودليل رحمة الله وحكمته، أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث إليه رسولا، إنه سبحانه لم يهلك قرية إلا بعد أن أتم حجته عليهم بالرسل (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا).
يربط القرآن الحكيم في هذا السياق بين الإسراف وهلاك القرى، ولكن بماذا أمر الله المترفين؟
المأمور به هنا محذوف وهو معطوف على قوله تعالى (حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) فالله سبحانه وتعالى يأمر الناس بالهدى والخير والتقوى، ولكنهم حين لا يعملون بها بل يفسقون عنها، ويحاربون الله ورسوله، فماذا يحدث آنئذ؟.
(فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) أي تحققت عليهم المسؤولية وأصبحت لله الحجة البالغة عليهم، فدمرهم بسبب تركهم لها تدميرا، ولعل الآية تشير إلى حقيقة تاريخية هامة هي: إن الله سبحانه يبعث الرسل عادة على القرى التي ينتشر فيها الفساد. ويتسلط عليها المترفون، وذلك لكي يرتدعوا، ولا يستمروا في رحلة الفناء حتى النهاية، وعادة لا يتوبون فيحق عليهم العذاب، وربما تشير الآية ايضا إلى الدورات الحضارية في التاريخ.
[١٧] (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) فإذا