من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩٦ - بينات من الآيات
النور الباهر يؤمنون به، ويستجيبون لندائه.
كان أويس القرني يعيش في الصحراء عيشة العز والشرف، فعندما سمع بالرسول وبقرآنه، آمن به وبقرآنه من دون أن يراه فصار بذلك من المقربين إلى رسول الله صلى الله عليه واله، وأسلم وأحسن إسلامه فكان يقضي نهاره بالصوم وليله بالعبادة، ومثل أويس أبو ذر والمقداد وكثيرون آخرون.
(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا) لا يهمنا أن تؤمنوا أو لا تؤمنوا، فلسنا محتاجين إلى إيمانكم، إذا كان الله يريد أن يضلكم، فهناك من يؤمن بالقرآن إيمانا عميقا، وهم أهل المعرفة.
(إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) أي أوتوا العلم من قبل نزول القرآن (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً) الخرور: هو الوقوع السريع. خروا بسرعة على وجوههم، ولعلهم نسوا أنفسهم أمام القرآن ووقعوا على أذقانهم ولم يقعوا على جباههم، لأنهم وقعوا من دون اختيار، فوقعوا على أذقانهم ثم سجدوا بوجوههم.
(وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) يبدو من هذه الآية أنهم كانوا يتوقعون شيئا وقد تحقق في القرآن أو أنهم عبروا- بهذه الكلمة- عن غاية إيمانهم، ومنتهى يقينهم حيث نزهوا الله عن خلف الوعد، وأكدوا أن وعده في الكتاب بنصر المؤمنين في الدنيا، وحسن جزائهم في الآخرة حق. وسيتحقق أكيدا. وهذا أحد معاني الحق الذي جاء في الآية السابقة (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ).
إن مخففة وليست شرطية فهي بمعنى (إنه كان وعد ربنا لمفعولا).
[١٠٩] (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) يبدو أن للإنسان أمام الحالات الغريبة، حالتين متدرجتين
الأولى: الانصعاق والدهشة.
الثانية: الانبهار الواعي.
وقفهنا ولعل الآية التالية تشير إلى هاتين الحالتين حيث يقول سبحانه (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر: ٢٣].