من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٠ - حديث المعراج
وَكَفَّ بَرْدَ هَذَا الثَّلْجِ فَلَا يُطْفِئُ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ، اللَّهُمَّ يَا مُؤَلِّفَ بَيْنَ الثَّلْجِ وَالنَّارِ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ وَكَّلَهُ اللهُ بِأَكْنَافِ السَّمَاءِ وَأَطْرَافِ الْأَرَضِينَ، وَهُوَ أَنْصَحُ مَلَائِكَةِ الله لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُو لَهُمْ بِمَا تَسْمَعُ مُنْذُ خُلِقَ.
وَرَأَيْتُ مَلَكَيْنِ يُنَادِيَانِ فِي السَّمَاءِ أَحَدُهُمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفاً، وَالْآخَرُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفاً. ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ يُقْرَضُ اللَّحْمُ مِنْ جُنُوبِهِمْ وَيُلْقَى فِي أَفْوَاهِهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْهَمَّازُونَ اللَّمَّازُونَ
(المغتابون النمامون)
. ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ تُرْضَخُ رُؤُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنَامُونَ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.
ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ تُقْذَفُ النَّارُ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (النساء: ١٠).
ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ يُرِيدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَقُومَ فَلَا يَقْدِرُ مِنْ عِظَمِ بَطْنِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا
(لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ) (البقرة: ٢٧٥).
وَ إِذَا هُمْ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ.
قَالَ: ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِنِسْوَانٍ مُعَلَّقَاتٍ بِثَدْيِهِنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ اللَّوَاتِي يُوَرِّثْنَ أَمْوَالَ أَزْوَاجِهِنَّ أَوْلَادَ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله: اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ فِي نَسَبِهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَاطَّلَعَ عَلَى عَوْرَتِهِمْ وَأَكَلَ خَزَائِنَهُمْ.
قَالَ: ثُمَّ مَرَرْنَا بِمَلَائِكَةٍ مِنْ مَلَائِكَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَهُمُ اللهُ كَيْفَ شَاءَ، وَوَضَعَ وُجُوهَهُمْ كَيْفَ شَاءَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَطْبَاقِ أَجْسَادِهِمْ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ الله وَيُحَمِّدُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِأَصْوَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَصْوَاتُهُمْ مُرْتَفِعَةٌ بِالتَّحْمِيدِ وَالْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ الله فَسَأَلْتُ جَبْرَئِيلَ عَنْهُمْ فَقَالَ: كَمَا تَرَى خُلِقُوا؛ إِنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ إِلَى جَنْبِ صَاحِبِهِ مَا كَلَّمَهُ قَطُّ، وَلَا رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ إِلَى مَا فَوْقَهَا، وَلَا خَفَضُوهَا إِلَى مَا تَحْتَهَا، خَوْفاً مِنَ الله وَخُشُوعاً. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَرَدُّوا عَلَيَّ إِيمَاءً بِرُؤُوسِهِمْ لَا يَنْظُرُونَ إِلَيَّ مِنَ الْخُشُوعِ، فَقَالَ لَهُمْ جَبْرَئِيلُ: هَذَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى الْعِبَادِ رَسُولًا وَنَبِيّاً، وَهُوَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ وَسَيِّدُهُمْ أَفَلَا تُكَلِّمُونَهُ؟، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ جَبْرَئِيلَ أَقْبَلُوا عَلَيَّ بِالسَّلَامِ وَأَكْرَمُونِي وَبَشَّرُونِي بِالْخَيْرِ لِي وَلِأُمَّتِي).