من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥١ - الموقف المسؤول
فعلنا مثله مع يوسف فتعهدنا وأخلفنا، ولا يمكن أن نكرر الأمر، وإني سأبقى هنا وأنتظر أمر الله، فإما يأذن لي أبي أو يأذن لي ربي. (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ) قيل: (ويئس واستيأس بمعنى واحد، مثل سخر واستسخر وعجب واستعجب) [١]. ولكن يبدو أن اليأس هو: العلم الصادق بعدم فائدة المحاولة بينما الاستيآس هو الظن بذلك الذي يداخله الضعف النفسي للبشر، وإذا كان هذا المعنى صحيحا فإن ذلك يعني أن إخوة يوسف كانوا غير مستقيمين نفسيا بسبب الجريمة السابقة التي ارتكبوها بحق أخيهم، ولذلك فهم يأسوا سريعا ..
(خَلَصُوا نَجِيّاً) أي انفردوا عن الناس حتى أصبحوا خالصين من دون غريب يشاركهم الأمر، وهدف خلوصهم وانفرادهم كان النجوى، وهنا من أبلغ ما نفهمه من آيات القرآن في أناقة الظاهر وعمق الباطن، وتنوع المعنى.
(قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ) أي بعد أن أخذ أبوكم منكم موثقا أيضا.
(فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) أي حتى يأذن لي صاحب الحق أو صاحب التشريع، وهكذا تجلت في أخيهم الأكبر روح المسؤولية، وظهر أنه تاب إلى ربه توبة نصوحا.
[٨١] وأمرهم روبين وهو أكبر الأخوة بالعودة إلى أبيهم، وبيان كل الحقيقة له ومن دون إضافة آرائهم إليها، قال لهم (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) ولكن دون أن تؤكدوا التهمة، بل قولوا لأبيكم أيضاً.
(وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا) إذ رأينا أنهم أخرجوا السقاية من وعائه، ولم نشهد بأكثر من هذا (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) لم نكن حافظين لما يجري في الواقع، ولذك لا نعرف هل سرق أخونا أم لا، ولعله تهمة، يبدو أن ههنا اعتراف بالتفريط الحاصل منهم بشأن أخيهم حيث قبلوا من دون تردد تهمة السلطات ضد أخيهم وذلك بسبب سوء ظنهم به وبأخيهم يوسف من قبل.
[٨٢] وبإمكانك أن تسأل المجتمعين ببلد مصر، أو تسأل العائدين من هناك (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) أي أهل القرية، (وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) أي: أي مسافر قادم مع قافلتنا (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).
[١] مجمع البيان: ج ٥، ص ٤٣٧.