من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٠ - واجب الهجرة
فيما اختلفوا.
(لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) فلا يستطيع أحد من أن يبدل الحق بالباطل، ويخدع نفسه أن الباطل قد أصبح حقا، لأن رأي الأكثرية- حسبما يزعم أغلب الناس- هو مقياس فهم الحق والباطل، كلا .. إن وراءنا يوما يميز فيه الحق عن الباطل بوضوح كاف.
[٤٠] ويزعم الكفار أن البعث مستحيل، ولا يعلمون أن الله لو أراد شيئا، قال له: كن فيكون.
(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وتكرار كلمة (القول) ربما جاء لبيان أن الإرادة ليست نعمة في القلب، أو ترويا في النفس، كما هي لنا نحن البشر، إنما هو كالقول (فعل) يبدعه الله إبداعا، وقد جاء في الحديث الشريف عن أبي الحسن عليه السلام حينما سأله صفوان بن يحيى: (قُلْتُ لِأَبِي الحَسَنِ عليه السلام أَخْبِرْنِي عَنِ الإِرَادَةِ مِنَ الله وَمِنَ الخَلْقِ قَالَ: فَقَالَ
الإِرَادَةُ مِنَ الخَلْقِ الضَّمِيرُ وَمَا يَبْدُو لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الفِعْلِ وَأَمَّا مِنَ الله تَعَالَى فَإِرَادَتُهُ إِحْدَاثُهُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرَوِّي وَلَا يَهُمُّ وَلَا يَتَفَكَّرُ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وَهِيَ صِفَاتُ الخَلْقِ فَإِرَادَةُ الله الفِعْلُ لَا غَيْرُ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِلَا لَفْظٍ وَلَا نُطْقٍ بِلِسَانٍ وَلَا هِمَّةٍ وَلَا تَفَكُّرٍ وَلَا كَيْفَ لِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ) [١].
واجب الهجرة
[٤١] وكثير من الناس يتركون ما يعلمون، ويعملون بالجهل خشية المجتمع الفاسد والطاغوت، بينما ينبغي أن يتمردوا عليهما فإذا ظلموا، ولم يجدوا حيلة، هاجروا من تلك الأرض، وأرض الله واسعة، دعهم يهاجروا لكي يعودوا أقوى إلى بلادهم.
(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ) أي في سبيل الله، ومن أجل العمل بأوامر الله، (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) فسوف يهيئ الله لهم: أرضا رحبة، وحياة حسنة، وحرية وأمنا، (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وعليهم ألا يبحثوا فقط عن أجر الدنيا، وفائدة العلم أنه ينقلنا إلى رحاب الآخرة وما فيها من أجر كبير.
[٤٢] كل ذلك بشرط أن يتحملوا الأذى في سبيل الله، وألا يستسلموا لضغوط الطاغوت، ولا ينسوا قضيتهم الرسالية (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
[١] الكافي: ج ١ ص ١٠٩.