من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨ - لن يؤمن من قومك إلا من آمن
الرسالة كذبا على الله فإنه يتحمل مسؤولية عمله، أما إذا كانت صادقة فهو لا يتحمل مسؤولية كفر قومه به بل هو بريء منهم.
أوحى الله إلى نوح أن مدة تبليغه قد انتهت، إذ أن قومه لن يؤمنوا أكثر من هذا بعد اليوم، فلا يحزن بما يفعلون، وبدأت مرحلة الإعداد ليوم العذاب. إذ أمر الله رسوله بصنع الفلك وأن لا يخاطب ربه حول الظالمين من قومه، فيحاول الشفاعة لهم لأنهم مغرقون لا محالة، وكان نوح عليه السلام يصنع الفلك، ويمر عليه المستكبرون من قومه فيسخرون منه، ولكنه كان يقول لهم: لنا يوم نسخر منكم كما تسخرون بنا اليوم، وفي ذلك اليوم ستعرفون: إن عذاب الخزي سيكون من نصيبكم.
بينات من الآيات
لن يؤمن من قومك إلا من آمن
[٣٢] من أبرز الصفات الرسالية التي كان الانبياء العظام يتمتعون بها هي الاستقامة والاستمرار في الدعوة دون كلل.
فنوح عليه السلام أتعب قومه من كثرة جداله معهم. حتى طالبوه بما وعدهم من العذاب، وزعموا أن نزول العذاب بهم أفضل من هذه الدعوة التي تلاحقهم في كل وقت وفي كل مكان (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ).
لقد دعا نوح قومه ليلا ونهارا، سرا وجهارا، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدق مسامعهم بكلماته البليغة، وإنذاره الشديد حتى سئموا منه ولم يسأم، وهكذا ينبغي أن يكون الرساليون على مر العصور، الاستقامة على الدعوة أنى كانت الفترة طويلة.
[٣٣] ولم يترك نوح كلامهم الآخر من دون جواب. بل نبههم مرة أخرى إلى أن الله وليس هو يأتيهم بالعذاب، وأنهم لا يقدرون آنئذ على الفرار (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) وهذه سمة ثانية وهامة في رسالات السماء حيث أن الأنبياء عليهم السلام لا يدعون لأنفسهم شيئا، ويذكرون الناس بأن دورهم فقط دور المبلغ، وأن الأمر بيد الله.
[٣٤] وتأكيدا لهذه الحقيقة ذكَّر نوح قومه بأن النصيحة لا تنفع إلا بإذن الله. إذ الهدى والضلالة إنما هي بأمر الله وإذنه، وإذا كفر أحد بنعمة العقل، فإن ربنا قد يسلبها منه فلا يستفيد من النصيحة (وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)