من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧١ - نصرة الله
وبالرغم من أن الآيات تخاطب النبي صلى الله عليه واله، وفسرت في أكثر النصوص المأثورة عن علماء المسلمين جميعا بالشفاعة التي خص بها الرب حبيبه محمدا صلى الله عليه واله- بالرغم من ذلك- إلا أن القرآن نزل على لغة
(بِإِيَّاكِ أَعْنِي وَ اسْمَعِي يَا جَارَةُ)
[١] حسب النصوص المأثورة.
وهكذا نعرف أن نافلة الليل هي معراج المؤمن إلى الكمال، إنها تطهر القلب عن عقده وأحقاده، واهتماماته بصغائر الأمور، وتوسع الصدر لاستقبال المسؤوليات العظام، وتشحذ العزيمة لتحدي العقبات، وتنهض الإرادة الخاملة، وتعطى النفس قوة دفع ذاتية، وكل ذلك بفضل القرب إلى الرب، ولعل كلمة (عَسَى) في هذه الآية كما لفظة لعل في آيات أخرى تذكرنا بان هذه الحقائق ليست مثل الحقائق الفيزيائية التي تقضي بحتمية النتائج بعد الأسباب، بل إنها حقائق فوق مادية تتبع مشيئة الله، والله سبحانه لا يتقبل العمل إلا بالتقوى والإخلاص، وهو ينظر إلى روح العمل قبل مظهره، فعلى الإنسان أن يستمر في الاجتهاد، ويرجو رحمة الله، فعسى أن يبلغه الله النتائج وبذلك يحرض القرآن المؤمنين على المزيد من العمل والمزيد من التضرع إلى الله ليبلغوا المقام المحمود بفضله.
نصرة الله
[٨٠] (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) الالتزام بالصدق في المواقف، في كل مدخل ومخرج منها هو أهم واجبات الرسول والرسالي، ولأن الإنسان يحتمل أن يدخل فيما يكرهه الله، أو يخرج عما يحبه الله، فهو بحاجة إلى حاجز يمنعه عن الانحراف، وهذا الحاجز إنما هو من عند الله سبحانه، والمراد من هذه الآية: يا رب أدخلني في الأمور إدخالا صادقا، وأخرجني منها إخراجا صادقا.
(وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً) إذا التزم الإنسان بالواجبات الشرعية، وجسد الشخصية القرآنية آنئذ يصبح تحت ظلال رحمة الله في الأرض، فيصبح سلطانا من قبل الله، بالطبع ليس سلطانا ماديًّا، بل سلطانا ربانيا رحمانيا، ويبعث الله من ينصره من المؤمنين والملائكة. إذا أردت أن تكون قائدا اصلح نفسك وكن مع الله، لأنه من كان مع الله كان الله معه.
جاء في وصية الإمام الحسن عليه السلام لجنادة بن أبي أمية
(.. وَإِذَا أَرَدْتَ عِزّاً بِلَا عَشِيرَةٍ وَهَيْبَةً بِلَا سُلْطَانٍ فَاخْرُجْ مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَةِ الله إِلَى عِزِّ طَاعَةِ الله عَزَّ وَ جَل)[٢].
[١] الكافي: ج ٢، ص ٦٣٠.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ١١، ص ٢٥٨.