من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٧ - هدى من الآيات
اليها لكي نصل من خلالها الى معرفة الله سبحانه، لأن الغاية التي خلق الله من أجلها هذا الكون هي معرفته في الدرجة الأولى، وآيات الله في الطبيعة أقرب ما تكون الى الانسان وتصوره، لأن الإنسان تراب ويحن إلى أصله، وكل شيء في الكون تجسيد لأسمائه سبحانه، وينحرف الإنسان إذا ما اتبع عقله في كشف حقائق الكون.
وهذا الدرس يذكر ببعض صفات الله، ويذكر الإنسان بهذه الحقائق التي يغفل عنها وينساها دائما فالله سبحانه يعلم ما تحمل الإناث في بطونهن من ذكر أو أنثى- ليس ذلك فحسب- بل يعلم تفاصيل حياة الجنين وما يحمل من صفات وراثية وغيرها، وعلم الأجنة هو أحد العلوم الخمسة التي لا يعلمها غيره، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: ٣٤].
وعلم الله لا يقف عند حدود الأجنة، بل هو يعلم كل مكنون من القول وكل ظاهر منه، وكل من سار بالليل أو سرب في النهار، وعلم الله ليس الشهود وحده أو الغيب وحده، بل علمه محيط بهما معا، فعلمه بالغيب كعلمه بالشهادة، وكيف لا وهو مع كل شيء، وأقرب إلى كل شيء من أي شيء، وهو معنا أينما كنا، وأقرب إلينا من حبل الوتين، فسبحان الله الكبير المتعال: أكبر من التصور، متعال عن مجانسة الخلق.
ومن آياته أن جعل مع كل نفس ملائكة تحفظها من الأخطار، فإذا جاء أجلها خلوا بينها وبين الأجل .. ألا يدل ذلك على رحمة ربنا، وأنه أرحم بنا منا، وأنه كيف نحفظ أنفسنا ونحن لا نستطيع أن ندفع عنها ضرا أو نجلب لها نفعا، ولو قلنا بأننا نستطيع أن ندفع عن أنفسنا حال غفلتنا وانشغالنا، إذن فالإنسان ليس سيد نفسه، بل الله سيده على نفسه، وإن له الولاية المطلقة، ولكن الله سبحانه مع حفظه للإنسان يسمح بمرور العذاب والبلاء بمقدار ما تستحق كل نفس (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).
ومن آيات الله أن يرافق السحب الثقال البروق والرعود خوفا من عقابه ورجاء لرحمته، فهذا الرعد الذي يسبح بحمده يهز ضمائرنا، ويذكرنا بعظمة الجبار، وسر عظمة الرعد أنه خاضع لله، مسبح بحمده، وليس الرعد وحده هو الذي يسبح بحمده، بل إن الملائكة التي تقوم بأمر الرعد والسحاب تسبح كذلك خشية منه .. لأنه شديد المحال.
أبعد هذه الآيات يكفر الإنسان بالله ويشرك به غيره؟! إن هو آمن بالله وفقه للخيرات، وإن أشرك به لم يوفق للخيرات ولن يصل إلى غاية حميدة فسوف يبقى في عطش، ولن ترويه