من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١١ - فارسلوا واردهم
بأنه بضاعة حباها الله له ولكنه أسر بها لكي لا يكتشف أنه غلام حر والله عليم بعملهم.
ولكي لا يفتضح أمره بادر ببيعه بثمن بخس دراهم معدودة، وكان الجميع يحذرون من شرائه لعدم معرفة واقع أمره، وجاؤوا به إلى مصر حيث اشتراه عزيز مصر الذي قال لزوجته أكرمي مثوى هذا الغلام واحترميه، فلربما ينفعنا في حياتنا الاجتماعية، أو نتخذه ولدا في حياتنا الشخصية، وتلك كانت من إرهاصات يوسف حيث مكنه الله في الأرض ابتداء من بيت ملك مصر بما أعطاه الله من علم بعواقب الأمور، بينما أكثر الناس لا يعلمون.
وبلغ يوسف مرحلة البلوغ، فآتاه الله النبوة والعلم بسبب إحسانه السابق، وحين بلغ مبلغ الرجال طلبت منه صاحبة البيت الفاحشة، وهيأت وسائلها بغلق الأبواب، وتهيئة فرصة الفاحشة ولكنه أبى بشدة واستعاذ بالله من الشيطان، وقال بأن الله الذي رباني وأحسن مثواى لا أعصيه وأن الظالمين لا يفلحون.
بينات من الآيات
فارسلوا واردهم
[١٩] كم بقي يوسف في الجب؟.
ثلاثة أيام أم أكثر، وماذا كان طعامه؟ هل كان يأتيه أحد إخوته بطعامه أم كان يكتفي بالماء، أم أن جبرائيل كان ينزل عليه الطعام لا ندري بالضبط! إنما المهم أن الله سبحانه هيأ أسباب نجاة يوسف وتأديب إخوته، فجاءت قافلة سيارة ربما كانت تجارية، فأرسلوا واحدا منهم يرد الماء قبل الآخرين على عادة القوافل، خشية مفاجأة غير سارة، فلما أرسل دلوه في البئر تعلق به يوسف، فنظر فاذا هو بغلام ما أجمله فاستبشر به خيرا (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ) لقد كان يوسف في غاية الحسن حتى جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه واله
(أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الحُسْنِ وَالنِّصْفُ الآخَرُ لِسَائِرِ النَّاسِ) [١].
ولم يبد الوارد للسيارة أنه قد التقطه من البئر لكي لا يجري عليه حكم اللقيط بل اتخذه بضاعة وكتم الحقيقة عن رفاقه، بيد أن الله يعلم أن يوسف ليس عبدا، وهو يحافظ على حريته .. (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).
[٢٠] باعوا يوسف بثمن قليل، دراهم معدودة لقلتها، وإنما يعد الشيء القليل، وزهدوا
[١] مجمع البيان: ج ٥، ص ٣٧٨.