من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢ - وما آمن معه إلا قليل
(الذي كان في بيت عجوز حسبما جاء في بعض الأحاديث) أوحى الله إلى نوح أن يركب السفينة، ويحمل فيها معه من كل زوجين اثنين من سائر ما خلق الله، ويحمل معه أيضا أهله إلا الكفار منهم وهما زوجته وابنه اللذان اغرقا أيضا، ويحمل معه كل المؤمنين الذين كان عددهم قليلا، وتوكل نوح على الله مطمئنا بأن حركة السفينة ووقوفها بإذن الله ورعايته، وتلاحقت أمواج الطوفان كأنها جبال، وصاح نوح بابنه الذي جلس في ناحية، ودعاه إلى الركوب معه وان يترك الكفار، ولكنه زعم بأن الطوفان فيضان عادي وأن صعود الجبل ينجيه منه، ولكن نوح حذره من أنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم الله، وقبل أن ينتهي الحوار جاء الموج وأغرق ابن نوح.
وجاء صوت غيبي يصدر الأوامر الحاسمة للأرض بأن تبتلع الماء، وللسماء بأن تكف عن المطر. وغاض الماء وانتهت القضية الحاسمة ووقفت السفينة فوق جبل وأبعد القوم الظالمون.
بينات من الآيات
وما آمن معه إلا قليل
[٤٠] إن تلك اللحظة التي كان أبناء الرسالة يتوعدون بها، وكان الكفار يستهزؤون بها قد حانت اليوم واصبحت الحقيقة التي أنذرت بها الرسالة واقعا لا مهرب منه، فلقد أصدر ربنا أمره، وفار الماء من التنور الذي يبقى عادة بعيدا عن الماء، وأمر الله رسوله نوحا بأن يحمل معه في السفينة من كل حي زوجين اثنين، وأن يحمل أهله الذين لم تسبق عليهم كلمة العذاب بسبب كفرهم كزوجته وابنه، وأن يحمل معه الذين آمنوا وهم قليلون (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ).
في الحديث المأثور عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كَانَ التَّنُّورُ فِي بَيْتِ عَجُوزٍ مُؤْمِنَةٍ فِي دُبُرِ قِبْلَةِ مَيْمَنَةِ المَسْجِدِ فَقُلْتُ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ زَاوِيَةِ بَابِ الفِيلِ اليَوْمَ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ وكَانَ بَدْءُ خُرُوجِ المَاءِ مِنْ ذَلِكَ التَّنُّورِ، فَقَالَ عليه السلام
نَعَمْ إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أَحَبَّ أَنْ يُرِيَ قَوْمَ نُوحٍ آيَةً، ثُمَّ إِنَّ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ يُفِيضُ فَيْضاً وفَاضَ الفُرَاتُ فَيْضاً والعُيُونُ كُلُّهُنَّ فَيْضاً فَغَرَّقَهُمُ اللهُ عَزَّ ذِكْرُهُ وأَنْجَى نُوحاً ومَنْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ،
فَقُلْتُ لَهُ كَمْ لَبِثَ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ حَتَّى نَضَبَ المَاءُ وخَرَجُوا مِنْهَا، فَقَالَ عليه السلام
لَبِثُوا فِيهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيَهَا)[١].
[١] الكافي: ج ٨ ص ٢٧٩.