من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٦ - خلود الجزاء
والآية تشير إلى حقيقة وهي أن اتخاذ الأيمان مدخلًا للعلو عاقبته في نهاية الأمر هو زلل القدم عن موقعها المكتسب بعد ثبوتها فيه، إذ سرعان ما ينكشف الزيف في تدافع الأيام.
(وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وسبيل الله هو كل خير، وكل تقدم وعمران ورفاه للناس، ومنع الناس عن سبيل الله. وصدهم عنه قد يكون بإغلاق طرق التعاون واليمين من أفضلها، إذ لا شيء من القوانين والوثائق والضمانات والرهون بسهولة اليمين ولا بقوته في إشاعة الثقة والتعاون (وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
[٩٥] وكما اليمين العهد الذي يشتري به البعض ثمنا قليلا، وإن كانت قيمة الثمن الذي يقبضه الفرد بيع شرفه وعهده وإيمانه فإنها ستكون قليلة، لأنها تسقط هيبة العهد فيسد باب كبير للرحمة.
(وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) فمن يبدل رحمة الله ببضع دراهم يكسبها من نكث العهد أو بسلطة زائلة أو ما أشبه؟!.
وكأنما الآية تحكي حال بعض الطالبين للعلو من أجل خدمة الدين ولو ظاهراً لكن الالتواء في نهاية المطاف يجعل هذا العلو للصد عن سبيل الله. فالبحث عن المكاسب السريعة على حساب القيم لن يكون في سبيل الله مطلقاً، ولن ينفع مرتاديه.
خلود الجزاء
[٩٦] علما بأن ما عند الله من خير يبقى ببقاء الله سبحانه، بينما حطام الدنيا يزول بزوال العوامل التي أنشأته (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) إن الحق الذي يضمن الله ثباته، أبقى من الباطل الذي يضمنه غرور الإنسان، وخداع الشيطان، لقد خلق الله السماوات والأرض بالحق، فلذلك تخدم حركة الكون سلطة الحق، بينما الباطل يجري في عكس حركة الطبيعة والتاريخ.
فطرة الإنسان حق، لأن القوانين النفسية والجسمية والاجتماعية السائدة على أبعاد حياة البشر لا تتغير منذ خلق الله آدم وإلى الأبد، فإذا كانت فطرة الإنسان قائمة على أساس الوفاء بالعهد، فإن المجتمع القائم على أساس شرف العهد يكون أبقى، وخير الله أكثر مما يحصل عليه بعض الأفراد بسبب الغدر والمكر.
إلا أن الحق بحاجة إلى الزمن حتى يظهر، ولذلك فإنا بحاجة إلى الصبر حتى يخدمنا