من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤١ - بعد أربعين عاما مرت على قصة الجب
مديدة نبذ هؤلاء أخاهم يوسف منكرين له، فقطعوا رحمهم، بينما هو وصل رحمه، وكانت عاقبة الأمر هو أن يجازيه الله بالملك والمعرفة ويجازيهم بالحاجة والجهل.
[٥٩] وبعد أن أعد لهم ما جاؤوا من أجله من طعام، استدرجهم يوسف بحديثه حتى اعترفوا له أن لهم أخا من أبيهم، ومن زوجة ثانية لأبيهم لا يصاحبهم، فطلب منهم أن يأتوا به، وقال: إني لا أريد ظلمه أو ظلمكم، ولكني أريد الخير لكم. أفلا ترون أني أوفي الكيل وأحسن الضيافة؟!.
(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) ويبدو من هذه الآية إن يوسف أعطى لأخوته مقدارا من الطعام ومنع عنهم مقدارا.
[٦٠] وبعد أن رغبهم في عطائه الجزيل. هددهم أنه لو لم يأتوا بأخيهم فانه سوف يمنع عنهم الكيل (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ) أي في المستقبل.
[٦١] إخوة يوسف الذين أذهلتهم المفاجأة وعدوه بتنفيذ أمره، ومحاولة إقناع والده بالإذن له بالمجيء (قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ).
[٦٢] ولكن يوسف لم يرض بأن يأخذ منهم أموالهم التي جاؤوا بها لأخذ الميرة، بل أمر غلمانه بأن يجعلوا بضاعتهم في أمتعتهم لكي يعرفوا أنها لهم، ولكي يكون لديهم دافع للمجيء إلى مصر مرة اخرى (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إذا عرفوا بضاعتهم عرفوا أن الملك رحيم بهم، فلا يخشون ظلمه فيعودون إليه.
[٦٣] وقطعوا تلك المسافة الطويلة قافلين إلى أبيهم، فلما تلقاهم أبوهم قالوا له إن ملك مصر منع عنا الكيل فلم يعطنا كل حصتنا من الطعام، وطالبنا بإحضار أخينا من أبينا، فأرسله معنا لكي نأخذ نصيبنا وإنا سوف نحفظه (فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
[٦٤] وأعاد يعقوب عليهم قصتهم مع يوسف، وكيف فرطوا فيه (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ) فأنتم لا تحفظون عهدكم، ولكن لا آمنكم عليه، بل أترك الأمر إلى الله، وأجعله حافظا له فهو أفضل حافظ، وخير راحم لعباده (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).