من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٢ - بعد أربعين عاما مرت على قصة الجب
[٦٥] وكانت المفاجأة عندما فتحوا أمتعتهم ليجدوا فيها بضاعتهم التي اشتروا بها الطعام، فآنئذ ازدادوا إلحاحا على أبيهم بالسماح لأخيهم بالسفر معهم.
(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي) أي ماذا ننتظر أكثر من هذا، لقد أوفى الكيل، وردت البضاعة إلينا (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا)، ثم شرعوا في تشجيع أبيهم على الإذن لأخيهم بالسفر معهم (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا) أي نأتي بالطعام لهم، (وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ) حيث أن كل واحد كان يكال له بقدر حمل بعير (ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) أي ميسور الحصول. حيث باستطاعتنا جلبه بسهولة.
[٦٦] ولان قلب يعقوب، لكنه طلب منهم تعهدا أكيدا بإعادة أخيهم إليه (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ) أي تتعهدون لي بذلك تعهدا دينيا .. (لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ) تردونه علي إلا حين تغلبون على أمركم، فلا تقدرون على ذلك ففعلوا، فأذن يعقوب لهم باصطحاب ابنه الذي تسلى به عن يوسف.
(فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) فالله وكيل بيني وبينكم على هذا الأمر.
إن الله ابتلى يعقوب مرة بغياب يوسف فصبر، وابتلاه هذه المرة بغياب ابنه بنيامين شقيق يوسف فصبر أيضا رغم التجربة السابقة التي كانت عنده عن إخوة يوسف الذين رموا به في غيابت الجب، وهكذا تجاوز يعقوب حساسيته النفسية لما رأى ضرورة عقلانية لبعث ابنه العزيز عليه مع إخوته، وهكذا جعل الله ذلك وسيلة لإنهاء محنته الطويلة.
ومن جهة أخرى يبتلي الله إخوة يوسف مرة ثانية بذات المشكلة السابقة تقريبا ليجرب مدى صدقهم في إدعاء التوبة، ولكي يجزيهم بسوء أعمالهم السابقة.