من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٩٩
(هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر: ٢٢].
هذا هو حال الجبل الأصم من عبر القرآن ودروسه فكيف بالإنسان.
(وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً)؛ الحمد لله على أنه لم يتخذ ولدا!، لعل أحد معاني هذه الكلمة إنه سبحانه لم يفضل عنصرا على عنصر ولا جوهرا على جوهر إلا بالتقوى، مما أعطى للجميع فرصة التعالي إليه، والكمال بفضله، والآية تفضح ما يعتقده الوثنيون من أن لله أولادا هم الملائكة.
جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام
(الحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَلِدْ فَيُورَثَ وَلَمْ يُولَدْ فَيُشَارَك)
[١]. وحيث نفي الولد، فإن سبحانه قد نفى عنه الشريك، فإن من لم يلد فإنه لن يكون مولوداً؛ لأنه صمد لا أجزاء له، ومن لم يكن مولودا لا يكون شبيها بشيء، فلا كفو له ولأنه لا شريك له لا ولي له من الذي ينصره لأنه غني بذاته فكيف يستعين بغيره ..
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ) قيل: (إن هذه الآية جاءت رداً على اليهود والنصارى حين قالوا: اتخذ الله ولدا، وعلى مشركي العرب حيث قالوا: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، وعلى الصابئين والمجوس حين قالوا: لولا أولياء الله لذل الله) [٢].
وقد جاء في الدعاء المأثور
(الحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فَيَكُونَ مَوْرُوثاً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ فَيُضَادَّهُ فِيمَا ابْتَدَعَ، وَلَا وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ فَيُرْفِدَهُ فِيمَا صَنَعَ) [٣].
لم يكن عند الله شريك فيضاده أو يساعده، لأنه لو كان له شريك يضاده لتزعزع النظام، ولو كان له شريك يساعده فالأول قوي والآخر ضعيف فما هي حاجتنا إلى الضعيف.
في الحديث المأثور عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله عليه السلاموكان من قول أبي عبد الله عليه السلام
(لَا يَخْلُو قَوْلُكَ إِنَّهُمَا اثْنَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَا قَدِيمَيْنِ قَوِيَّيْنِ، أَوْ يَكُونَا ضَعِيفَيْنِ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوِيّاً وَالآخَرُ ضَعِيفاً، فَإِنْ كَانَا قَوِيَّيْنِ فَلِمَ لَا يَدْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَ يَتَفَرَّدُ بِالتَّدْبِيرِ، وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَوِيٌّ وَالآخَرَ ضَعِيفٌ، ثَبَتَ أَنَّهُ وَاحِدٌ
[١] الكافي: ج ١، ص ٩١.
[٢] مجمع البيان: ج ٣، ص ٤٤٥.
[٣] بحار الأنوار: ج ٩٥، ص ٢١٨، دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام