من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٧ - وجاء الضيوف
[٦٢] فلما رآهم وقد جاؤوا إليه بهيئة شباب عليهم مسحة من الجمال والجلال فسألهم بعد أن استضافهم (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) فلستم من أهل المنطقة، ولكي لا يمسهم قومه بسوء لذلك أجارهم على عادة القوانين الشائعة في قومه التي ينبغي أن يأخذ المؤمن الرسالي بأفضلها وأنفعها.
[٦٣] أفصحوا عن أنفسهم وبينوا أنهم ملائكة الله، وقد جاؤوا بالعذاب الذي شكك قومه فيه أنفسهم طويلا. فها هو العذاب يأتيهم (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ).
[٦٤] وكانت المفاجأة، وارتسمت على وجه لوط علائم الاستغراب وعاد الملائكة يؤكدون على أن ميعاد العذاب قد حان اليوم بلا شك (وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).
[٦٥] ثم أمروه بالرحيل، وهجرة الصالحين، ونزول العذاب على الآخرين وكانت الهجرة سرية ربما خوفا من منع الناس لهم، وكان المفروض على لوط أن يسير خلفهم ويشهد تحركهم لكي لا يبقى أحد منهم.
(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) يبدو أن لوطاً أثر فقط في أهله بينما بقي الآخرون على فسادهم (وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ) أي اقتفي أثرهم ولأن الهجرة كانت صعبة لذلك جاءهم الأمر، (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أي لا ينظر إلى ما وراءه، (وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) واستمروا من دون تردد أو تراجع، وهكذا ينبغي أن يهاجر الرسالي قومه بعد يأسه منهم دون شفقة عليهم أو حنان، أو ميل إلى ما يخلفه فيهم من مال أو أقارب.
[٦٦] وقضى الله، واخبر لوطا بقضائه بذلك الأمر الخطير، وهو الحكم بالإعدام الكامل لسلالة تلك العشيرة الفاسدة (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) فلا أحد يبقى منهم ليستمر نسلهم فيه حتى زوجة لوط التي كانت منهم هلكت معهم حيث حنت على قومها، والتفت إلى ما ورائها من أهل ومتاع. وهكذا تجسد الحق في انتقام شديد من قوم فسدوا ولم ينفعهم الإصلاح شيئا.
[٦٧] هذه صورة من المشهد، أما الصورة الثانية فإن أهل المدينة استبشروا بالضيوف، لأنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر عليهم، وكان موقعهم الجغرافي يساعد على هذه الفعلة حيث كانوا على الطريق الرئيسي الذي يربط المدينة بالشام [١].
(وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ)
[١] راجع علل الشرائع للشيخ الصدوق: ج ٢ ص ٥٤٨ عن الإمام الباقر عليه السلام.