من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٢ - بينات من الآيات
(الرحيم) ابتدأت السورة بالتسبيح، والتسبيح يدل على التنزيه والتقديس، ومادتها من (سبح) أي نزه، ومعنى ذلك أن نبعد الله عن أي نقص أو عجز أو حد.
إن العقل البشري لا يستطيع أن يدرك إلا الأمور القريبة من ذهنه أو المتعارفة في الطبيعة، ولكنه يعجز عن إدراك ما وراء ذلك، ولو أراد الإنسان أن يتصور الله لتصوره في حدود مفاهيمه ومعارفه. حيث أن بعضهم قال: (إنه تعالى- (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ) [الإسراء: ٤٣]- على صورة إنسان أعلاه مجوف وأسفله مصمت، وهو نور ساطع يتلألأ، وله حواس خمس) [١].
والتاريخ يدلنا على: أن الأمم الكافرة والمشركة، إنما تصورت الله في حدود معارفها، فالأمة التي كانت بحاجة إلى الزراعة والرعي كانت تقدس الماء او البقر أو كليهما باعتبارهما آلهة.
والأمة التي كانت بحاجة إلى الأنواء والنجوم لتهتدي بها في السفر، كانت تتصور الله نجما أو قمرا أو شمسا، اما الأمة التي كانت تعيش ضمن القبيلة والتقاليد الموروثة، فإنها كانت تقدس الجد الأكبر لها، وبالتالي فانهم كانوا يتصورون الله شيخا كبيرا ذا لحية بيضاء.
وقد جاء في بعض الكتب الحديثة التي انطلقت من الغرور العلمي، أحاديث مسهبة خلاصتها: (انه لما كان الله موجودا في كل مكان وليس له صوت ولا صورة فهو إذا الجاذبية).
وقال بعضهم بأن الله هو الوجود، وروي عن الإمام الباقر عليه السلام
(وَلَعَلَّ النَّمْلَ الصِّغَارَ تَتَوَهَّمُ أَنَّ لله تَعَالَى زَبَانِيَتَين [٢] فَإِنَّ ذَلِكَ كَمَالُها، وَيَتَوَهَّمُ أَنَّ عَدَمَهَا نُقْصَانٌ لِمَنْ لَا يَتَّصِفُ بِهِمَا) [٣].
ومن أجل أن يقطع الإنسان على نفسه الدخول في هذه الدائرة عليه أن يقول: (سبحان الله) فينزهه لأنه اجل من أن يتصور، وفي حديث عن الإمام الباقر عليه السلام يقول حين سأله ابن أبي نجران عن التوحيد: (أَتَوَهَّمُ شَيْئاً؟ فَقَالَ عليه السلام
نَعَمْ غَيْرَ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ فَمَا وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ خِلَافُهُ، لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَلَا تُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ، كَيْفَ تُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ وَ هُوَ خِلَافُ مَا يُعْقَلُ، وَخِلَافُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الأَوْهَامِ، إِنَّمَا يُتَوَهَّمُ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ) [٤].
وبالتالي فان كل ما نتصوره مخلوق مردود إلينا، والشيء الوحيد الذي يمكن أن نقوله
[١] بحار الأنوار: ج ٣ ص ٢٨٩ نقلًا عن بعض الجهلة.
[٢] زبانيا النمل أو العقرب قرناها.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦٦ ص ٢٩٣.
[٤] الكافي: ج ٢ ص ٨٢.