من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٠ - نعمة الأزواج
الناس في المجتمع والدرجات العليا أو الدنيا التي يتفاضلون عبرها، إنها نفوذ إلى أصول تكوينية صعبة التغيير، أو مستحيلة التغيير، فلقد فضل الله بعض الناس على بعض في الذكاء، أو في النشاط، أو الصحة، وتهيئة فرص التقدم، فهل يقدر هؤلاء على تحويل صفاتهم إلى أولئك؟ كلا .. (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) وهو النعمة التي يهبها الله للإنسان بسعيه، وطيب نفسه، أو امتحانه وابتلاء الناس به مثل: العلم، والعافية، والأمن.
(فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) فلا يقدر الذين فضلهم الله أن يعطوا رزقهم الإلهي لمن هم دونهم، ولمن هم محكومون لهم.
والتعبير القرآني (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) يوحي بالرقية التي كانت شائعة في أيام نزول القرآن- ويبدو لي- أنه يشمل أيضا كل المراتب الاجتماعية التي يقتضيها التفاضل بين الناس في الكفاءات الطبيعية، ذلك لأن الكفاءة تقتضي- بالطبع- هيمنة صاحبها على من هو دونه فيها، فالعلم والقوة يعلوان الجهل والضعف، وصاحبهما يملك ولو بنسبة معينة من لا علم ولا قوة له.
ولا أحد ينكر اختلاف الناس من الكفاءة الطبيعية، وأن هذه الكفاءة لا تقبل التحول من صاحبها إلى من هو دونه، حتى يصبحوا جميعا سواء فيها.
إن نظام الكون قائم على التفاعل بين أجزائه، وقد أمرت سنة الله في الناس أن يتعاون بعضهم مع بعض مثلما تتفاعل أجزاء الكون، ولكي يتعاونوا احتاج بعضهم إلى البعض الآخر، واختلفت كفاءاتهم، ولو تساوت كفاءاتهم واستغنى الناس عن بعضهم، إذن لبقوا كالحيوانات يعيشون أفرادا، ولم يتقدموا ولا خطوة واحدة في طريق الحضارة.
(أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) إن نعمة التفاضل التي تنتهي إلى التعاون والتقدم نعمة كبيرة، لابد من شكرها عن طريق رضا الناس بها وقبولها كواقع، ثم انطلاق كل واحد من موقعه في سبل الخير والفضيلة.
نعمة الأزواج
[٧٢] وإلى جانب نعمة التفاضل الطبيعي، ونعمة الحاجة المتبادلة، وبالتالي نعمة التعاون الذي فرض على البشر فرضا، نجد نوعا آخر من الحاجة المتبادلة والتي تؤدي إلى التعاون وهي الحاجة إلى الزوج (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) فلو لا الحاجة النفسية والجسدية والاجتماعية القائمة بين الزوج والزوجة لما تم هذا