من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠ - بين النعماء والضراء
للمواقف الجاهلية التي تنبع من هذه النفسية الضيقة الأفق، التي تطالبه بكنز ينزل عليه، أو ملك يساعده، أو ما يقولونه: إن الرسول قد افترى الرسالة، بينما يتحداهم القرآن بأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات بمستوى القرآن في علمه وبلاغته، ويقارنوها مع القرآن، ويشهدوا على ذلك بمن شاؤوا ان كانوا صادقين في اتهام القرآن بأنه مفترى.
ولكنهم لا يستجيبون حتما لهذا التحدي ولابد أن نعلم إن الذي أُنزل إنما أُنزل بعلم الله وهو صنيعة ذلك العلم المحيط بكل شيء، وعلينا أن نسلم للقرآن بكل جوانحنا وجوارحنا.
ويبدو أن هذا الدرس تمهيد لبيان حقيقة الرسالة وقصص استقامة الرسول ضد خرافات الجاهلية.
بينات من الآيات
بين النعماء والضراء
[٩] ما دامت النعمة من الله، فزوالها عن البشر لفترة أو وجودها عنده في وقت آخر ليس دليلا على بقائها أو زوالها إلى الأبد، اذ أن تلك القدرة التي منحت النعمة أو إزالتها إنما لحكمة بالغة، والله قادر على أن يعيدها وفق تلك الحكمة ومع توافر شروطها، لذلك لا ينبغي أن يحيط اليأس بالبشر عند افتقاد النعم، ولا يجوز أن يكفروا بسائر النعم التي اسبغها الله عليهم، ويلبسوا نظارة سوداء يبصرون الحياة من خلالها، فلا يرون شيئا إلا ملبسا بالسواد (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ).
[١٠] وعند النعماء وهي حالة هبوط النعمة التي لو جاءت بعد الشدة والضراء لكانت أعمق أثرا في النفس ولذلك قد تفقد توازن الانسان، ويحسب أن الصعاب قد ودعته إلى الأبد، فيستبد به الفرح والسرور البالغ، ولا يرى أي نقص أو عجز في ذاته، بل يظل يركز نظره حول تلك النعمة ويفتخر لها (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ).
[١١] وسواء الكفر ونكران النعم، أو الفخر والغفلة عن النواقص، فإنها من صفات الإنسان قبل أن تزكيه الرسالات السماوية، التي تبين له أن النعمة إذا جاءت فهي محكومة بشروطها وأهدافها، والحِكَم التي ورائها، وكذلك النقمة، وأن على الانسان ألا ييأس مع زوال النعمة التي هي (رحمة الله) ولم تكن جزءا من ذات البشر. لأن هذه النعمة قد تعود إليه هي أو أحسن منها، ثم لأن هناك نعما أُخرى أعظم منها لا تزال قائمة عنده فباليأس والكفر سوف