من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٥ - فأما الزبد فيذهب جفاء
(قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) إذا كان الله بهذه القوة والهيمنة، إذا فلماذا نتخذ غيره وليًّا لا يملك من هذه القوة والهيمنة شيئا، بل لا يملك قوة ذاته، ولا هيمنة على قواه.
(لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً) هذه الأصنام الحجرية أو البشر لا تملك النفع لنفسها، ولا دفع الضر عنها، فهل هي قادرة على إعطائك النفع أو دفع الضر عنك؟!.
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) المشكلة ليست في الحقائق من حولك، إنما المشكلة في أعيننا، فالعين مدخولة، أما الحقائق فموجودة، والعمى والبصر الحقيقيان ليسا في العين، بل في القلب كما قال تعالى (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: ٤٦).
(أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) الظلمات كما جاء في الخبر هي الكفر، والنور هو الإيمان (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) لا يستطيع أي إنسان مهما كان أن يدعي أن هناك خالقا غير الله لهذا الكون، فإذا لم يعترف بالله مثلا فلن يقول: إن الكون خلق نفسه، قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّا يُؤْفَكُونَ) [العنكبوت: ٦١].
(وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) قد يكون الواحد قهاراً وقد لا يكون، ولكن الله واحد وقهار .. (الْوَاحِدُ) تدل على ذلك آياته، و (الْقَهَّارُ) غالب على كل شيء بقدرته وإرادته وكل ما سواه مقهور له فوحدانيته مطلقه، أما عصيان البشر له فليس انحسارا لقهره، بل لأنه يمهل الكافرين ليزدادوا إثما مع إثمهم، وإنما عجلة الله وإنتقامه السريع هو الانحسار الحقيقي لقهر الله فكما ورد في الدعاء
(إِنَّمَا يَعْجَلُ مَنْ يَخَافُ الفَوْتَ وَ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الظُّلْمِ الضَّعِيفُ) [١].
فأما الزبد فيذهب جفاء
[١٧] (أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) أي أن الأودية تسيل بقدر قطر المطر، وهذه الآية تلمح إلى أن المطر له مقادير معينة يقدرها الله حسب طاعة أو معصية العباد، كما في قصة أصحاب الأحقاف (قوم هود) لما كفروا قطع الله عنهم المطر سبع سنوات، وبعد أن جاءهم أهلكهم، وقد قال تعالى (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً) (نوح ١١- ١٠:).
(فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً) يقال: حمل للحامل بإرادته أو كان راضيا، أما احتمل أي
[١] تهذيب الأحكام: ج ١، ص ٤٩٠.