من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٦ - فأما الزبد فيذهب جفاء
حمل قسرا، كما يقال للضيف الثقيل: احتملتُ الضيف، أو كما يقال: احتمل الأذى، فالسيل يحتمل الزبد، وكأن الزبد غير مرغوب فيه، والزبد هو المخلفات والأوساخ يجرفها السيل معه، وقال صاحب المجمع: (الاحتمال رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل له، ويقال: علا صوته على فلان فاحتمله ولم يغضب، والزبد وَضَر الغليان، وهو خبث الغليان، ومنه زبد القدر وزبد السيل) [١] ورابيا: مرتفعا يتزايد باستمرار تدفق السيول عليه.
(وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) كما أن ما يجرفه السيل زبد، فكذلك المعادن التي تصهر بالنار لتصنع منها الحلي هي زبد أيضا، وهذه إشارة إلى أن صناعة الحلي تعتمد على الصهر بدرجات حرارية كبيرة، وسبب أن متع الحياة زبد أنها تشغل الانسان بالظاهر، وتدعه ينسى هدفية الحياة، ويتصور أن هدفية الحياة هو ما يحصل من هذه المتع.
(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) إذا فمتع الحياة مثل الزبد، وهذا هو الباطل، أما الحق فعادة ما يُغفل عنه، ذلك لأن الحق ليس الذي يستهويك، انما الحق هو الذي يكمن خلف المباهج، فلا تغرنك المباهج بل إبحث خلفها عن الحقيقة الناصعة.
(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي أن الزبد يتلاشى ويضيع هدرا، قال الراغب في مفرداته: (جفاء: و هو ما يرمي به الوادي أو القدر من الغثاء الى جوانبه، يقال: أجفأت القدر زبدها: ألقته إجفاء، وأجفأت الأرض: صارت كالجفاء في ذهاب خيرها) [٢].
(وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ) إذا زال الزبد بقي الجوهر، والباطل لا يستطيع أن يغطي الحق أبد الابدين، فالباطل سريع الزوال، لأنه ضد الطبيعة، وهو لا يمتلك مؤهلات الوجود ليستمر.
[١٨] (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) هذه العبرة من الأمثال: فالذين استجابوا لرسالة ربهم المتمثلة في المطر، وسالت أودية قلوبهم، وإستجابوا بالإيمان فان لهم الحسنى جنات تجري من تحتها الأنهار، والذين لم يستجيبوا لرسالة الله لو أن عندهم ما في الأرض ومثله معهم من الزبد لما منع عنهم سوء الحساب وجهنم. نعوذ بالله منهما.
[١] راجع مجمع البيان: ج ٦ ص ٢٨.
[٢] مفردات الراغب القرآن: ص ١٩٧.